فهرس الكتاب

الصفحة 7655 من 27364

ومع التحولات الجذرية في الصين، والتي يجسد أكثرها خطورة وأهمية في بلورة العمل المؤسسي ونمو روح القيادة الجماعية وتبني العقلانية الإدارية وانحسار التسلط الإيديولوجي، مما ساعدها على تخطي معضلتها التاريخية المدمرة المتمثلة في التضخم، ومع استمرار النمو بمعدلات هي الأعلى في العالم، واتساع رقعة التنمية على الصعيد الجغرافي والإنساني لكي تشمل الأرياف، التي كان القائد التاريخي دينغ شاوبينغ قد أطلق منها تياره الإصلاحي الكبير، يتقدم كل ذلك القفزات التكنولوجية المثيرة التي توجها رجل الفضاء الصيني الأول وسط مزيج من الإعجاب والذهول، مع كل هذه التحولات المتسارعة في العالم الصيني الواسع ومع إدراك المؤسسة الأمريكية في تشكيلاتها المتعددة والمنبثة في عروق المجتمع بتهافت الخصم الحضاري المفتعل وما ينطوي عليه الصراع الدائر من التهديد المستتر وبعيد المدى، للأساس الحضاري والثقافي للمجتمع الأمريكي، فإن الأمريكيين يكتشفون بصورة مفاجئة الحقائق البسيطة التي وضعت أمامهم في أعقاب سبتمبر وأشاحوا بوجوههم عنها في حومة الغضب والهيجان، أن القوة وحدها لن تجتث الإرهاب والتطرف، إن جذوره تضرب في عمق التخلف والفاقة والاستبداد، في الظلم والتسلط الدولي والمحلي بأشكاله المختلفة، في تغييب الإنسان واستباحته وحرمانه وتدمير الطبيعة من حوله لصالح المتسلط المحلي المحتمي بمظلة الأجنبي والملتف بأرديته، وكانت أرض الواقع تنبت حقائق تملأ الأفق وتطلق الرياح التي تبعثر كل الأوراق وتفرض إعادة كل القراءات ومراجعة كل التأويلات، وها هم الأمريكيون يستجيبون لانحرافات موازين القوة، وحركة الإزاحة والزحزحة التي يجري تأكيدها، للعالم الجديد الذي يأخذ سمته في الانبعاث على خلفية الذهنية الأمريكية نفسها، العقلانية العملاتية المطلقة، رأسمالية الاقتصاد، العلم والتكنولوجيا، يترافق ذلك مع وعيهم المتزايد بخطأ خياراتهم في الصراع، ولكن استجاباتهم تأتي أمريكية الروح والشكل والمضمون، إنها استجابة الآمرية المتعالية والمتجاهلة للآخر، شؤونه وشجونه، معاناته وطموحه، أوجاعه ومآسيه، حيث يكشف المشروع الأمريكي عن مستوى القيمة في معادلات المخططين الأمريكيين لهذه المنطقة من العالم ذلك المستوى الذي يعكس موقع هذه المنطقة على خريطة القوة، فهذا المحيط الجغرافي والبشري الواسع بأبعاده الثقافية وتاريخه الممتد وحضاراته الأولى وإسهاماته الإنسانية الكبرى، تم اقتلاعه من وسطه الإنساني والتاريخي والثقافي وطمست كل الحقائق الماثلة على صفحة واقعه، كل التفجرات والأورام السرطانية على جسده، فلسطين وكشمير والصحراء الغربية وجنوب السودان وغيرها من البؤر التي امتدت لتشمل العراق وأفغانستان، جاء المشروع الأمريكي ليلحق هذا العالم الواسع باستراتيجيته الكونية طامساً ومتجاهلاً لطموحات شعوبه في بناء مشروعها الحضاري الخاص، إقامة أنظمتها الأمنية، صيانة استقلالها الوطني وثقافتها، جاء متلفعاً باطروحاته التقليدية، الديموقراطية والإنسان، المشروع الأمريكي اختزل الجغرافيا والبشر والتاريخ في صياغة مرتجلة تكشف فقط عن الارتباك الذي يعتري المخططين الأمريكيين، ذلك لأن محيط الفاقة الرازح تحت أثقال ساحقة من المعضلات والممتد من جبال الأطلس حتى سفوح الهيملايا بما في ذلك آسيا الوسطى والقوقاز، لا يمكن استئصال أدرانه المزمنة عبر خزانة الإسعاف التي حملها المشروع الأمريكي في عباراته العمومية واستعاراته المرتجلة، ولن يكون للمثاليات التي اطلقها مفعول من أي نوع، قبل أن تتجاوز المنطقة إشكالياتها المتجذرة في الاستراتيجية الأمريكية نفسها، قبل معالجة مسائل إنسانية أصبحت لطخة عار تشوه الجبين الناصع الذي تحاول الحضارة القائمة استعارته، ملايين اللاجئين الفلسطينيين الذي يعانون من لا إنسانية البطش الإسرائيلي بينما يكابدون مستويات من العيش لم تعد لائقة بالبشر، وعشرات الملايين الآخرين من المشردين نتيجة الحروب والتفجرات والنزاعات التي تخدم أغراض الهيمنة الأجنبية، البشر البائسون الهائمون على وجوههم، ضحايا الخوف والاضطراب والاضطهاد المحلي، مظاهر العوز والفاقة ونقص التغذية وتلوث المياه والبيئة، كل الركام الهائل والمتكاثر الذي أنجبه تاريخ طويل من التقهقر والغزو وانتهاب الثروات من قبل الاستعمار الغربي وعملائه المحليين. إن المشروع الأمريكي يبدو ساذجاً وطفولياً إلى درجة النكتة في اختزاله وعموميته، انه مشروع مرتجل في سياق السياسة الأمريكية المعهودة المنبثقة دائماً وأبداً من مصالح متقلبة ونزقة، والمتأثرة بإرادة الحركة الصهيونية عندما تتعلق الأمور بالشرق الأوسط، فهذا المشروع لا يجهد نفسه كثيراً في إخفاء غايته الاستراتيجية القصوى، التي هي عزل المنطقة عن المصادر الحقيقية لمستقبلها الحضاري وقدراتها الكامنة لتجاوز أوضاعها الحالية، تلك الإمكانات التي يؤطرها كيانها الثقافي وهويتها العربية الإسلامية، يحولها إلى كتل بشرية فارغة من حس الانتماء والرابطة تخفق قلوب جماهيرها باللهفة إلى بريق (الحضارة) المنبعث عبر منارات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت