فهرس الكتاب
التفكير عند سلف الأمة ليس إغراقاً في تاريخ كسرى وقيصر ولا في جاهلية العرب وأقوالهم، وليس تمحكاً وتحكيكاً وافتعالاً للخلاف الداخلي بين المسلمين أشخاصاً وأفكاراً، وكتب الملل والنِحَل لم تكن همّ المسلمين وهدفهم، بل كان عملهم دعوة الناس وهدايتهم، عملهم هداية من ترون من أعماق الصين إلى نهاية الغرب، وليس لكلام زال وزال تأثيره ماضياً كان أو معاصراً، بل معرفة بالدين، ثم معرفة بالحال الحالّة بأنفسهم وعدوهم وكيف يواجهونها، وبذل الطاقة والجهد لهذا، لا لعلاج مشكلة ماضية، ولا لتوهم أو افتراض مشكلة في داخل الأمة.. ثم البحث عن حل مفترض كذلك. هذه السلبية في الهروب من مواجهة الحياة والعدو طريق العاجزين ومنحى الجاهلين، لأن كل شيء منها سهل ممكن النقاش مدروس سابقاً، أو هو طعن للأمة من الخلف لا يكلف سوى استثارة وإيهام بشبهة أو ترويع مروع، فيجن خوفاً وهلعاً ويضحي بأهل داره خوفاً من عدو متخيل من الداخل، وإذا كان قد ولى أولئك أو تركوا ما كان يسمى استشراقاً في عمومه واختصوا بعمل محدد ـ عمل سياسي مجرد ـ، فإن مواقعهم الآن احتلها مجموعة من العرب الذين نشؤوا عرباً في بلاد عربية ـ بغض النظر عن أصلهم ـ، ولكونهم غرباء في المجتمع العربي، لن يجدوا موقعاً سياسياً يتناسب مع معرفتهم بالعرب، فقد قاموا بالعمل التشويهي نفسه، بل أسوأ بكثير مما كان يعمله المستشرقون؛ فها قد رأينا مستشرقين أمثال عزيز العظمة و أركون، وهؤلاء المستشرقون العرب توفرت لهم إمكانات لم تتوفر للطبقة الاستشراقية الغربية المعاصرة؛ فمهارتهم في العربية ـ التي كانت تقف عائقاً لكثير من الغربيين ـ لم تعد اليوم عند هؤلاء مشكلة، ثم: أزمة عقدتهم الفكرية والسياسية ـ حيث لا يجدون من يحترم كتاباتهم في العالم الغربي ـ تزيد من حقدهم على الإسلام والمسلمين والسخط على الأمة وتشويه تاريخها واحتقار تفكيرها وقراءته بعين غربية حاقدة، وثم: عقدة كونهم مستغربين على هامش الغرب يزيدهم محاولة إثبات أنهم غربيون أكثر من الغرب، فتجعلهم عقدة النقص هذه أشد ضرراً على المسلمين من المستشرقين الغربيين.
والأولى بنا أن نعلم أن الاستشراق ليس تاريخاً ماضياً، ولكنه أيضاً سياسة قائمة يومية متجددة.. نجد أنفسنا وثقافتنا فيها من خلال لغاتها مباشرة، وأعمالها ومؤتمراتها وأبحاثها وقرارات الحكومات المبنية عليها.
ونحن لو اتجهنا نحو هذه المدرسة بهذه القناعة، أو على الأقل واجهناها بهدف معرفتها ومتابعتها عن قرب ـ متابعة مؤلفاتها ومقالاتها ودراساتها وتقاريرها ـ، لوجدنا في الحاضر ما يغني عن كثير مما قيل في الماضي، ولساعدنا ذلك على فهم العالم الذي نعيش فيه، ولساهمت هذه الدراسة الواعية والمراقَبة الجادة في تطوير العقول والعلوم والأفهام وإنضاج مجتمعنا سياسياً، وإنضاج أساتذة الجامعات لدينا والشباب المسلم ليخرج واعياً لعصره، فاهماً لصديقه وعدوه، يعرف كيف يتعامل مع مفكري عصره وعالَمهم، لأن تدريس الاستشراق بالطريقة الفكرية التاريخية الموجودة الآن قد تساهم في عمل تغفيلي غير مقصود، ولكنه يساعد في عملية تركيز الجهل بالحاضر والإغراق في الماضي، وإقرار الخروج عن مسار العمل والفكر المعاصر، والعودة إلى عهد المِلَل والفرق الهالكة، يجعله يناقشهم وكأنهم فرقة إسلامية انتهت منذ العصر العباسي، ولا يتعامل معهم كبشر وفكر يعمل ويعيش معه في نفس الزمن، يناقشه ويكيد له ويحاربه ويصالحه ويخادعه في نفس الوقت.
لا بأس من دراسة تمهيدية للاستشراق مثل دراسة محمود حمدي زقزوق الجيدة، أو دراسة قاسم السامرائي تكون البداية منها، ثم بعد ذلك تكون المتابعة لما يحدث الآن.
طريقة المواجهة:
وهل يمكن أن تقوم محاولة جادة لاختراق وعي الحاضر الغربي والصورة الموجودة للإسلام والمجتمعات الإسلامية هناك؟، وهل يمكن أن تعطي أعمالنا وكتبنا تصوراً عنا نحدده نحن ـ ولا يُحَدد لنا ـ وحسب ما نريد؟، على فهمنا: فليسوا كلهم حاقدين، وليسوا كلهم صليبيين مغرضين، بل منهم من يريد الحقيقة كما أن منهم من أسلم في الماضي، ولكن.. هل نملك القدرة أيضاً على صرف النظر عن التفكير من خلال التهم والدفاع عن ذاتنا! بطرق مباشرة أو غير مباشرة؟.