فهرس الكتاب
واليوم: شخص مثل برنارو لويس اليهودي المؤرخ الشهير الذي كتب عن الشرق الأوسط، والحشاشين، والأتراك، وترجم عن العربية مقتطفات تاريخية وأعمالاً عديدة ذات طابع علمي، ولّى وجهه منذ زمن نحو السياسة، وأشرف على معهد الدراسات اليهودية في جامعة (برنستون) ، ثم تفرغ للكتابة السياسية، ويكتب عن: العرب والإسلام، واللغة السياسية في الإسلام، والإسلام والغرب، وصياغة المشرق الإسلامي الجديد،ويعمل لإعداد جيل من السياسيين اليهود الأمريكيين ليُخترق العالم العربي بشكل أكبر، ويقدم محاضرات سياسية واستشارات في الهدف نفسه متخذاً من قضية أمته وقومه اليهود قضيته، ورمى بالتاريخ إلى الوراء، ولا قيمة للتاريخ عنده إلا دوره في الحاضر والمستقبل ـ وهذه أهم مهمة للتاريخ حقاً ـ، وهو من أصحاب النظرية المركزية اليهودية في غرب آسيا، حيث يرى أن على إسرائيل أن تحكم منطقة وسط وغرب آسيا، من الجمهوريات الإسلامية إلى النصف الشرقي من البحر الأبيض المتوسط، وأن على الغرب أن يترك هذه المنطقة لها وحدها؛ فإسرائيل هي القادرة عقلياً وسياسياً ومالياً وعسكرياً على القيام بذلك في إدارة يسندها تحالف أمريكي مباشر ويربط هذا باستراليا ـ كما شرح في مقال له شهير عن مستقبل المنطقة، ونشره في مجلة الشؤون الخارجية ـ.
ومثل آخر هو: جون إسبوزيتو ، يتجه لدراسة الإسلام المعاصر والحركات الإسلامية المعاصرة، ويقيم علاقات مباشرة مع الإسلاميين وجمعياتهم وزعاماتهم ليدرسها عن قرب، ويقدم الكتب من أمثال التهديد الإسلامي، أسطورة أو حقيقة، وبدأت أعداد كبيرة من الشباب تهتم بهذه الموضوعات. ويقدم هؤلاء الاستشارات والتوجيهات للحكومات الغربية كما كان يفعل السابقون في زمانهم.
ولعل أعمالاً سابقة كعمل مالك بن نبي وحديثه عن المستشرقين من معاصريه، أو عملاً كعمل السباعي عن مستشرقي زمانه ومقابلاته لهم: كانت أعمالاً حية مواكبة للحركة في وقتها، مؤثرة في قرائها آنذاك ولم تزل، ولكنها لا تصلح لتكون مادة دراسة الحركة في زماننا هذا ـ ولا القادم ـ لأنها أصبحت في معظم مادتها تاريخاً فكرياً لا فكراً معاصراً جارياً.
اليوم يطلب الأساتذة في الجامعات الغربية أن تكون الأبحاث في الجامعات عن الحركة الإسلامية المعاصرة!، عن الأفكار الجديدة والمؤثرة على الشباب في العالم الإسلامي وتطلعاته، ولعل من اطلع على كتاب انتقام الله الذي ترجم بعنوان يوم الله للكاتب الفرنسي جيل كيبل وكتابه النبي والفرعون يلاحظ مدى المتابعة للوعي الإسلامي في بلادنا، والكتب التي يقرؤها الشباب المسلم، والأشرطة التي يستمعونها، عن الرجال المؤثرين فيهم، المواقف التي تستفز الشباب المسلم!!، وكيف يمكن أن يواجه ويُغوى عن هدفه ويُشغل بمعارك هامشية جانبية تؤكد غياب الأمة عن دورها وعن قضاياها وتغرق فيما يتمنى لها عدوها، وللأسف يقع بعض المسلمين ـ عن قناعة أو جهل ـ في شباك الإغواء أو النقاش البيزنطي الذي غدا مثلاً، ليس لأنه في ذاته خطأ فقط، وإنما لأنه أيضاً زمنياً خطأ أكبر، كان ملهاة عن الجيوش الغازية على الأبواب، كان مشغلة عن المعركة، ونحن نختار أحياناً إحياء الطريقة البيزنطية نفسها ـ ولكن لا نسميها جدلاً بيزنطياً أو جدلاً لا فائدة منه ـ مع أننا منهيون عنه، ولأنه هو البديل عن العمل: فقد نضفي على جدلنا هالات من الأهمية والخطورة والمنهجية، فتكسب نقاشاتنا أهميتها من الألقاب التي نلقيها عليها، وليس من حقيقتها ولا من مكانتها في الدين أو السياسة أو المجتمع أو التاريخ، وهذه مضيعة للوقت والجهد، وسبب في صرف اهتماماتنا عن معرفة حال المسلمين الذين هم بأشد الحاجة إلى الالتفات لمصائبهم ولأعدائهم المحدقين بهم، ولتصحيح أفهامهم وأفكارهم وعقائدهم، فهم لا يدرسون حياة الشعوب المجاورة لهم، ودورها في حياتهم، ولا يدرسون الإسلام بالطريقة التي بعثت الحياة في قلوب السابقين من الأمة، إذ كان الإسلام لأتباعه: طريق عزة وكرامة للفرد وللأمة، واستقلالاً عن ضغط الأعداء، وعدالة في الداخل، ووحدة في التوجه، وتكاملاً في التخصصات، وحيوية غامرة، وتطلعاً لمعالي الأمور وذروة سنامها.