والكارثة التي يمكن أن تحدث لأي بلد تغزوه العولمة، انتشار الفقر وفقدان العمل البشري لقيمته، وتوجيه هدام يقضي على فرص العمل، فتنتشر البطالة، وينقسم المجتمع إلى مجتمع أغنياء طفيليين خدام للشركات الكبرى المتعددة الجنسيات، وأكثرية مسحوقة سرقت خيراتها كي تدخل في جيوب رأسمالي العولمة المتوحشين الذين يملك (358) منهم في الغرب ما يملكه (2.5) مليار من سكان المعمورة؛ لأن النظام المعولم سيخفض نسبة الحاجة إلى العمال إلى 20% أي سيظل 80% منهم عاطلون. وهذا هو الذي يسميه دعاة العولمة بمجتمع الخمس (11) .
والنتيجة التي يستخلصها المختصون هي: إذا كان النمو الاقتصادي في الماضي يخلق مناصب الشغل، فإن النمو الاقتصادي في إطار العولمة يؤدي إلى تخفيض عدد مناصب الشغل، لأن بعض القطاعات في مجال الإلكترونيات والإعلاميات والاتصال وهي من القطاعات الأكثر رواجًا في العالم لا تحتاج إلاّ إلى عدد قليل من العمال. فالتقدم التكنولوجي يؤدي في إطار العولمة إلى ارتفاع البطالة، وهو ما سيؤدي حتمًا إلى أزمات سياسية (12) .
ومحصلة القول: إن العولمة الموجهة توجيهًا مباشرًا من الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها من اليهود والأوربيين، تريد عن طريق المخلب الاقتصادي أن تتمكن من الشعوب عن طريق استغلال حاجياتها الاستهلاكية وقتل المبادرات الوطنية، وتوجيه ثرواتها وهيكلة اقتصادها بتدخل مباشر من المؤسسات المالية والتجارية الخاضعة لها، والتي تغرقها بالديون وفوائد الديون التي لا تتخلص منها ومن ويلاتها، يساعد في ذلك مخططان آخران يمشيان جنبًا إلى جنب بجانب المخطط الاقتصادي، وهما مخطط إخضاع الدولة الوطنية واستلاب الفكر والثقافة عن طريق الفضائيات الكونية التي تبثها مئات الأقمار الصناعية.
2 -العولمة والدولة الوطنية:
يقول الفيلسوف الفرنسي جارودي:"والتيار المهيمن في صفوف الاقتصاديين الرسميين والسياسيين هو الدفاع عن الليبرالية بدون حدود، والداعي إلى اختفاء الدولة أمام السلطة المطلقة للسوق، وحتى لا يبقى أي عائق أمام الاحتلال الاقتصادي" (13) . لأن العولمة تحتاج إلى السيطرة على الدولة الوطنية وإخضاع قوانينها لحركتها وحريتها في العمل. وبذلك تؤدي العولمة المعاصرة إلى حرمان الدول من حق السيادة المطلقة وصولاً إلى مفهوم جديد للسيادة يركز على العالم أجمع بصفة الوحدة السياسية التي تحل محل الدولة التقليدية المعتادة (14) . ومن هنا فإن سيادة الدولة بمعناها الأساسي يتم إعادة تعريفها الآن في الأقل بوساطة قوى العولمة والتعاون الدولي.
والسيادة في هذا التعريف هي الإدارة الدولية التي ترسم خريطة جديدة للعالم تتوافق مع التصورات العالمية، وهذه الخريطة الجديدة، لن يكون فيها حدود خاصة بكل دولة، بل سيصبح العالم كتلة واحدة متعاونة متكافئة متراضية مسالمة آمنة! كما يقولون زورًا وبهتانًا تخالف الواقع الذي تسيطر عليه العولمة ومخالبها (15) .
وقد يسأل باحث فيقول: وهل تبقى الدولة الوطنية في ظل العولمة؟ نقول: نعم تبقى الدولة في ظل العولمة، كأنها إدارة عامة جديدة، أي أنها تتحول إلى حكومة أعمال. وهو ما يترتب عليه وهن الدولة وشرعيتها. ومبعث ذلك يتمثل في أن هذه الدولة تسعى لنيل ثقة الأسواق العالمية على حساب مهامها الأخرى (16) .
ولكن ما مهامها الأخرى؟!.
يجيبنا صاحبا كتاب فخ العولمة فيقولان:"إنهم يهددون بهروب رؤوس أموالهم: أي الشركات المتعددة الجنسيات، ما لم تستجب الحكومات لمطالبهم، وهي مطالب عديدة، مثل منحهم تنازلات ضريبية سخية، وتقديم مشروعات البنية التحتية لهم مجانًا، وإلغاء وتعديل التشريعات التي كانت تحقق بعض المكاسب للعمل والطبقة الوسطى، مثل: قوانين الحد الأدنى للأجور، ومشروعات الضمان الاجتماعي والصحي وإعانات البطالة، وبما يقلل مساهماتهم المالية في هذه الأمور وخصخصة المشروعات، وتحويل كثير من الخدمات العامة التي كانت تقوم بها الحكومات، لكي يضطلع بها القطاع الخاص، وإضفاء الطابع التجاري عليها (17) ."
ومجمل القول: إنه في ظل العولمة، تتحول الشركات المتعددة الجنسيات إلى دول حقيقية تقوم بتفكيك الدول وإعادة بنائها من جديد، وجعلها تتنازل تحت ضربات الرأسمالية الاحتكارية عن حقوقها وحدودها الجغرافية وواجباتها تجاه مجتمعاتها، كي تقيم دولة عالمية، قادتها ورؤساؤها رؤوس الاحتكارات العالمية الجشعة من اليهود وغيرهم من الأمريكان وخلفائهم الخاضعين لتوجيهاتهم، كي تمتص دماء الكادحين في المجتمعات الإنسانية، وتقضي على شعورهم الوطني الذي هو شعور بدائي عند الاقتصادي المعولم الشهير ليندبيرج، ولكل هذا اختار عبارة"نهاية الدولة القومية"عنوانًا لكتابه الذي ألفه عام 1995م (18) .
3 -عولمة الفضاء الكوني: