ويصح أن نسميها إمبراطورية الفضاء الكوني؛ لأن مجالها الكرة الأرضية كلها، وما حولها كما قيل إلى قرية واحدة عن طريق مئات الأقمار الصناعية التي تجوب الفضاء الأرضي، وترسل البرامج المنوعة في كل يوم إلى كل عائلة من عوائل بلدان العالم، لتستقبلها أجهزة التلفاز والإنترنت، لتشكل في النهاية سلطة تكنولوجية ذات منظومات معقدة لا تعترف بالحدود الوطنية أو الفضائية أو البحرية، تقودها شبكات اتصالية معلوماتية من خلال سياسة العولمة واقتصادها وثقافتها وأفكارها وأنظمتها الاجتماعية، كي تقيم عالمًا جديدًا تتسلل دون استئذان إلى عقول وقلوب ونفوس البشر جميعًا دون استثناء من دون رقيب من دولة أو أمة أو دين أو وطن.
وهذه الشبكات يعود معظمها إلى قادة العولمة من الرأسماليين الاحتكاريين الأمريكيين وغيرهم ممن يدورون حولهم، لكي يمحوا ذاكرة الشعوب ويفرغوها من انتماءاتهم وأصالتهم وثقافتهم وأنظمتهم الاجتماعية، كي يقعوا صرعى أمام مغريات الحياة الرأسمالية الأمريكية وأنماطها الاجتماعية والأخلاقية في التفكير واللبس والأكل والترفيه ودغدغة الأحلام والقيم والوعي، بحيث يسهل تكريس نوع معين من السلع والخدمات والأفكار، والذي يخضع إلى النظام المعولم الذي يُراد له أن يسود العالم أجمع (19) .
ولأهمية هذا المجال الرهيب في عالم العولمة تم عقد أربع مؤتمرات دولية لبحث قضاياه (جنيف 1992، بوينس أيرس 1994، بروكسل 1995، جوهانسبرج 1996) ، نجح خلالها الأمريكيون من تسويق فكرتهم حول مجتمع المعلومات العالمي والضغط لفتح حدود أكبر عدد ممكن من البلدان أمام تدفق المعلومات.
يقول العالم الأمريكي المعروف ناعوم تشومسكي:"إن العولمة الثقافية ليست سوى نقلة نوعية في تاريخ الإعلام، تعزز سيطرة المركز الأمريكي على الأطراف، أي على العالم كله" (20) . إن هيمنة أمريكا ناتجة من أن 65% من مجمل المواد والمنتجات الإعلامية والإعلانية والثقافية والترفيهية تحت سيطرتها، ومن إنتاجها. هذا الأمر الذي أدى إلى توجس بعض الدول الغربية وخوفها على أجيالها.
وختامًا، فإن المجال الإعلامي أكثر أوجه العولمة سلبية؛ إذ يسيطر أصحاب المصالح التجارية والاقتصادية على الإعلام، عبر التوظيف المالي والسيطرة الإدارية والفنية، ويستخدمونه في تشويه معرفتنا بالعالم ووعينا بأنفسنا ومعرفة الآخرين ووعيهم بأنفسهم وقضاياهم (21) .
وأخيرًا، فإن عولمة الفضاء الكوني بكل أبعاده، من أخطر القضايا التي تمس العالمين العربي والإسلامي معًا، بسبب سيطرة اليهود على أجهزة الإعلام والاتصالات، وما يرافق ذلك من تشويه الحقائق وطمس معالم الحضارة العربية الإسلامية، وصورة العربي المعاصر وتراثه لدى الرأي العام العالمي (22) .
4 -العولمة الاجتماعية:
لما كان المبدأ الذي ينطلق منه عالم العولمة من جعل العالم قرية كونية واحدة تخضع للتوجيهات الأمريكية اليهودية، إذن فالوصول إلى مجتمع واحد، ذي ملامح واحدة، وأنظمة اجتماعية واحدة وأخلاق وعوائد واحدة سيكون من أولويات العولمة؛ لأن صياغة المجتمع صياغة واحدة، مما يسهل مهمة الأجنحة الهدامة الأخرى للعولمة في إفساد المجتمع وتفريغه من القيم الأصيلة، والأخلاق الحميدة النابعة من الأديان السماوية، والفطرة الإنسانية العقلية، حتى لا تقوم له قائمة من الرجولة والشهامة والكرامة أمام مخطط العولمة الرأسمالية الأمريكية اليهودية الجشعة.
لقد دفعت العولمة الأمم المتحدة التي تسيطر عليها وعلى مقرراتها، ولا سيما في عقد التسعينيات إلى عقد مؤتمرات بعناوين متعددة لتغيير النظام العام في المجتمعات، ولا سيما نظام الأسرة.
1 -في عام 1950 حاولت الأمم المتحدة عقد الدورة الأولى لمؤتمراتها حول الأسرة والمرأة بعنوان: تنظيم الأسرة في القاهرة، لكن الحكومة المصرية يومئذ لم توافق على ذلك.
2 -وفي عام 1975 عقدت الأمم المتحدة مؤتمر المكسيك دعت فيه إلى جريمة الإجهاض للمرأة والحرية الجنسية للمراهقين والمراهقات وتنظيم الأسرة لضبط السكان في العالم الثالث، وأخفق هذا المؤتمر أيضًا.
3 -عُقد في نيروبي عام 1985م مؤتمر بعنوان إستراتيجيات التطلع إلى الأمام من أجل تقديم المرأة.
4 -مؤتمر السكان والتنمية الذي عُقد في القاهرة عام 1994م، ودعا فيه إلى قضايا تغيير حياة المرأة والأسرة من الناحية الدينية.
5 -مؤتمر بكين عام 1995 تحت عنوان المساواة والتنمية والتنظيم.
6 -مؤتمر السكان والتنمية والتنظيم في إسطنبول عام 1996م.
وتتضمن القرارات المقترحة أمورًا، مثل: فرض حق الإنسان في تغيير هويته الجنسية وأدواره المترتبة عليها، ومن ثم الاعتراف رسميًا بالشواذ والمخنثين، والمطالبة بإدراج حقوقهم الانحرافية ضمن حقوق الإنسان، ومنها حقهم في الزواج وتكوين الأسر والحصول على أطفال بالتبني أو تأجير البطون، وتطالب وثيقة القرارات بحق الفتاة والمرأة في التمتع بحرية جنسية آمنة مع من تشاء. وتطالب بحق المراهقات الحوامل في مواصلة التعليم دون إدانة لهذا الحمل السفاح.