فهرس الكتاب

الصفحة 26403 من 27364

فبدلا من أن تعود إلى حقيقة الدين التي كانت قد انحرفت عنها ، نبذت دينها - أو كادت - وفي الوقت ذاته لم تتخذ الأسباب التي اتخذها الغرب في تقدمه العلمي والمادي . فلم تأخذ من العلم إلا قشوره ، وتقاعست عن الجدّ الواجب له ، والجلد والمثابرة والصبر في تحصيله ، والتنظيم الفائق في شئون الحياة ، الذي يجعل الجهد مثمرا ، ويجمّع حصيلة الجهد فلا تتبدد ولا تتناثر !

وأخذت بدلا من ذلك ما في حياة الغرب من فساد ! فتراكم الفساد عندها أضعافا مضاعفة ! فلا هي عالجت أمراضها التي ورثتها من فترة التخلف العقدي ، الذي أنشأ من قبل التخلف الحربي والسياسي والعلمي والمادي ..إلخ ، وأضافت أمراضا جديدة دخيلة على البيئة الإسلامية ، من تحلل خلقي ، وخمر وميسر ولهو وتبجح بالمعاصي الكبائر ..

كذلك لم تدرك الأمة - وهي في التيه - مدى الفارق بين العلاج الذي كان يجب أن تتخذه إزاء مظالم الحكم العثماني ، والعلاج البديل الذي قدمه لها الغرب ..

لقد كان الخطأ في الحكم العثماني هو الاستبداد السياسي .. وكان العلاج الذي يجب أن يقدّم للأمة هو التربية على الروح الإسلامية الصحيحة في السياسة ، وهي السمع والطاعة للحاكم فيما يطيع فيه الحاكمُ الله ورسوله ، ومراقبة الأمة لأعمال الحاكم حتى ينضبط في تصرفاته بضوابط الشريعة . كما يتبين في ذلك المثال الفذ ، حين وقف عمر رضي الله عنه يخطب الناس فيقول: أيها الناس ، اسمعوا وأطيعوا ، فيقول له سلمان الفارسي رضي الله عنه: لا سمع لك اليوم علينا ولا طاعة ! فيقول عمر: ولمه ؟ فيقول: حتى تبين لنا من أين لك هذا البرد الذي ائتزرت به ، وأنت رجل طوال لا يكفيك برد واحد كما نال بقية المسلمين ! فلما تبين لسلمان أن البرد الزائد هو برد عبد الله بن عمر رضي الله عنه ، أعطاه لأبيه ليكمل به كسوته ، قال لعمر: الآن مر ! نسمع ونطيع !

وصحيح أن الأمة قد فرطت في حقها الرباني في مراقبة أعمال الحاكم ، والنصح له ، وأطره على الحق أطرا كما أمر رسول ا صلى الله عليه وسلم:"لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرا" (33)

وأن هذا التفريط قديم في حياة الأمة من زمن بني أمية ، وأن الاستبداد العثماني لم يكن بدء الانحراف ، وإنما كان مجرد امتداد تاريخي له .. ولكن الواجب يظل واجبا مهما فرطت فيه الأمة ، ولا يسقط بالتقادم مهما طال عليه العهد .. والإصلاح الواجب يظل هو هو لا يتغير .. ينتظر العالم الرباني المجدد المجاهد ، الذي يأخذ على عاتقه إعادة الأمة إلى الأصل الذي انحرفت عنه ، ولو ضحى في سبيل ذلك بحياته كما فعل أكثر من عالم من علماء الإسلام خلال التاريخ .

ولكن العلاج الذي اتخذته الأمة - في التيه - كان مخالفا تماما لهذا الأمر ..

كان العلاج الذي اتخذته هو تنحية الشريعة الإسلامية ، واستجلاب"الدساتير"من الغرب ، من أجل إقامة"دولة حديثة"كالدول الأوربية الحديثة !

ما أبعد المدى بين الطريقين !

لم تدرك الأمة - في التيه - أبعاد القضية على حقيقتها ..

لم يكن الخطأ في حياة الأمة الإسلامية ناشئا من الشريعة ، حتى يكون العلاج هو إلغاء الشريعة ! إنما كان ناشئا من عدم تمسك الأمة بالحقوق التي كفلتها لها الشريعة الربانية .. وعلاج ذلك لا يكون باستيراد أحد النظم الأوربية ومحاولة تطبيقه . فسوف نرى أن استيراد النظم الأوربية لم يحل مشكلة واحدة من مشاكل المسلمين !

لقد كانت مشكلة أوربا في قرونها الوسطى المظلمة نائشة من الحكم"الثيوقراطي"، أي حكم رجال الدين ، الذين استبدوا بالناس نتيجة تسلطهم الروحي على الناس في ذلك الدين الفاسد ، الذي انقلب كهّانه إلى وسطاء بين العبد والرب ، بسبب تحريف العقيدة ، وإضفاء القداسة على من لا تجوز لهم القداسة من البشر ، وتنحية الشريعة كذلك ، وتقديم الدين عقيدة - محرَّفة - بغير شريعة !

هذا السوء كله لم يكن له علاج في نظر أوربا إلا فصل الدين عن السياسة ، أي - في الحقيقة - إبعاد نفوذ رجال الدين عن أمور السياسة ، وجعل السياسة"علمانية"لا دخل فيها للدين .. وربما لم يكن أمام أوربا إلا ذلك الحل ، ما دامت لم تعرف الدين الرباني ، ولم تمارس في حياتها عدالة مستمدة من دين الله .

ولكن أوربا - حين خلعت نير رجال الدين عن السياسة - ابتليت باستبداد الملوك والأباطرة الذين نادوا بفصل الدين عن السياسة ليستقلوا هم بالسلطة الزمنية ، ويشبعوا نهمهم إلى السلطة بغير منافسة من آباء الكنيسة . وهذا الاستبداد هو الذي قامت الثورات المتتالية في أوربا لاجتثاث جذوره - بدءاً بالثورة الفرنسية - وكانت الديمقراطية هي الحل الذي اهتدت إليه أوربا لتأسيس سلطة الأمة في مراقبة أعمال الحاكم ، وجعل التشريع حقا للأمة لا ينفرد به الحكام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت