كان الأمر في حاجة إلى العالم الرباني المجدد ، الذي يجدد لهذه الأمة أمر دينها ، فيكشف الغاشية التي غشّت على بصيرتها ، ويردها إلى الطريق الصحيح ..
وشتان بين ما حدث بالفعل وبين ما كانت الأمة في حاجة إليه في ذلك الحين ..
ولقد كان العدو المتربص يستشعر أن اليقظة يمكن أن تحدث .. فقد كانت حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الجزيرة العربية نذيرا شديدا لهم أن الأمة يمكن أن تصحو وتنفض عنها ما وقعت فيه من البعد عن حقيقة الدين .. وعندئذ ماذا يكون من أمر الحملة الصليبيّة ؟ وكيف يواجه الصليبيون الجدد أمة مجدّدة الإيمان كأمة صلاح الدين ؟!.
لذلك فقد حاولوا كبت الحركة الوهابية في مهدها ، وأغروا بها محمد علي وأبناءه ليحاول القضاء عليها .. وأسرعوا في الوقت ذاته في دفع الأمة إلى التيه .. لكي تزداد بعدا عن طريق النجاة ..
وكان الواقع المشوّه الذي يعيشه المسلمون - بِوَهْم أنه واقع إسلامي - كان هو ذاته وقودا للانحراف الجديد . فقد قيل للناس - كذبا - هذا دينكم قد أوردكم المهالك ، وأوصلكم إلى ما أنتم فيه من الهوان والذل .. وليس أمامكم إلا أحد خيارين إما أن تظلوا متمسكين بالدين ، وتستمروا فيما أنتم فيه من التخلف والضعف ، وإما أن تنبذوا الدين وتسلكوا الطريق الذي سلكته أوربا قبلكم بقرنين من الزمان .. فتقدمت عليكم قرنين من الزمان !
وكانت مساوئ الحكم العثماني كذلك وقودا للانحراف الجديد ..
لم يكن الحكم العثماني كله مساوئ كما أُوهِم الناس - عمدا - في ذلك الحين ، لينفروهم من حكم الإسلام ، وييسروا عليهم الانزلاق إلى الحكم بغير شريعة الله !
ويكفي العثمانيين - عند الله وعند الناس - أنهم صدوا الزحف الصليبي أربعة قرون ، وأنهم إلى آخر لحظة من حياتهم لم يفرطوا في فلسطين ، بل جاهدوا مستميتين لصد الزحف الصهيوني إليها ، الذي تؤيده وتباركه الصليبية العالمية بكل ما في وسعها من قوة ، وكل ما تملكه من دهاء ..
ولكن كانت لهم مساوئ ولا شك ..
وكان في حكمهم مظالم كثيرة ..
وقيل للناس: إنه هكذا الحكم الذي يحكم باسم الدين . إنه استبدادي بطبعه ! ولا يمكن أن يكون إلا كذلك ! انظروا كيف كان الحكم الديني في أوربا يوم كان .. كان ظلما كله وتعسفا وطغيانا وهضما لحقوق"الشعب"، ولم تفق منه أوربا إلا حين تخلصت من سلطان الدين ، وحصرته في شئون العبادة ، وأبعدته عن الهيمنة على شئون الحياة ..
و أنتم ..؟!
لا طريق لكم إلا ذات الطريق .. احصروا الدين - على الأكثر - في شئون العبادة ، ونحّوه عن كل مجال آخر ، وعن مجال السياسة بصفة خاصة ، ولا ضير عليكم .. فستظلون"مسلمين!"ولكنكم ستتحررون ؟؟ وستتقدمون .. وستتحضرون !
وفي التيه لم تتبين الأمة - إلا ما رحم ربك - ما في هذا الكلام من زيف وبعد عن الحقيقة .
فالدين الذي نبذته أوربا لتتقدم وتتحضر لم يكن هو الدين المنزل من عند الله ، إنما كان صناعة بشرية فاسدة ، أفسدته تصورات البشر وأهواؤهم وأوهامهم . وكان الخطأ في حياة أوربا هو اتباع ذلك الدين الفاسد ، وعدم الاهتداء إلى ما فيه من فساد ، وتقبل ما يقوله آباء الكنيسة على أنه قول مقدس واجب الاتباع ، على اعتبار أنهم خلفاء بطرس الذي منحه"الرب"- يقصدون عيسى عليه السلام - حق التحليل والتحريم ، كما منحه العصمة كذلك (30) .
( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) (31) .
ولكن الدين الذي يدين به المسلمون - وإن انحرفوا في ممارسته - هو الدين الحق المنزل من عند الله ، المحفوظة أصوله في الكتاب والسنة بحفظ الله له:
( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (32) .
وكان الخطأ في حياة المسلمين هو انحرافهم في ممارسة هذا الدين ، إما بالبدع والمعاصي ، وإما بالتفلت من التكاليف ، وإما بأفكار دخيلة كالفكر الإرجائي أو الفكر الصوفي المنحرف .
لذلك يختلف العلاج في الحالتين . فالعلاج في حالة أوربا هو نبذ ذلك الدين الفاسد ، والاستعاضة عنه بالدين الصحيح . والعلاج في حالة المسلمين هو نبذ الانحرافات التي طرأت في سلوكهم ، والعودة إلى التمسك الصحيح بالدين .
وما أبعد هذا العلاج عن ذاك !
فأما أوربا فقد أخذت نصف العلاج اللازم لها وأبت أن تأخذ النصف الآخر ، فخرجت من دينها الفاسد ولم تدخل في الدين الحق ، فنشأت عن ذلك الأزمة التي يعانيها الغرب اليوم ، وتعانيها معه البشرية المغلوبة على أمرها تحت ضغط الغرب الساحق: وهي غلبة الروح المادية وانسحاق الجانب الروحي من الإنسان تحت ضغط المادة أو - بعبارة أخرى - التقدم العلمي والمادي والتكنولوجي بغير قيم ولا مبادئ ولا أخلاق !
أما الأمة الإسلامية - في التيه - فلم تأخذ نصف العلاج ولا ربعه ولا ثمنه .. إنما تناولت السموم التي قدمها لها الغرب ، فتلقفتها فرحة بها ، متوهمة أنها طريق الخلاص !