واعلم ـ أيها المؤمن ـ أن هذه الغربة سرعان ما تنقضي وتصير إلى وطنك ومنزلك الأول، وإنما الغربة التي لا يرجى انقطاعها هي الغربة في دار الهوان، حينما يسحب المرء على وجهه إلى جهنم والعياذ بالله، فيكون بذلك قد فارق وطنه الذي كان قد هيّئ وأُعد له، وأُمر بالتجهيز إليه والقدوم عليه، فأبى إلا الاغتراب عنه ومفارقته له، فتلك غربة لا يرجى إيابها ولا يجبر مصابها.
فأعظم حنين ينبغي أن يكون إلى وطننا الأول سكن الأبوين ودار الخلد والنعيم، قال الرسول: (( إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس؛ فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة ) )أخرجه البخاري، وقال الرسول واصفًا الجنة: (( لبنة ذهب ولبنة فضة، وملاطها المسك، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران، من يدخلها ينعم لا يبأس، ويخلد لا يموت، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه ) )أخرجه أحمد والترمذي وصححه الألباني في صحيح الجامع، وفي الصحيحين أن الرسول قال: (( أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك ) )، وفي الصحيحين أن رسول الله قال: (( في الجنة خيمةٌ من لؤلؤة مجوفة عرضها ستون ميلاً، في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين، يطوف عليهم المؤمن ) )، وفي الصحيحين قال رسول: (( إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها ) )، وعند الترمذي من حديث أبي هريرة قال: قال الرسول: (( ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب ) )، وعند أحمد في مسنده قال رجل: يا رسول الله، ما طوبى؟ قال: (( شجرة في الجنة مسيرة مائة سنة، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها ) )، وقال رسول الله: (( ألا مشمر للجنة؟! فإن الجنة لا خطر لها، هي ـ ورب الكعبة ـ نور يتلألأُ وريحانة تهتز وقصر مشيد ونهر مطرد وثمرة نضيجة وزوجة حسناء جميلة وحلل كثيرة، في مقامٍ أبدًا في دارٍ سليمةٍ وفاكهةٍ وخضرةٍ وحبرة ونعمةٍ، في محلة عاليةٍ بهية ) )أخرجه ابن ماجه وصححه ابن حبان.
عباد الله، يقول ربنا تبارك وتعالى واصفًا لنا حقيقة الدنيا وحقارتها ودناءتها؛ حتى نستعد ونتأهب لدار القرار، جعلنا الله وإياكم وسائر المسلمين من أهلها، اللهم آمين: وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [الأنعام:32] ، وقال تعالى: إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ [محمد:36] ، وقال سبحانه وتعالى: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُور [الحديد:2] . وعند البخاري أن الرسول قال: (( موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها ) ).
فحي على جنات عدن فإنَّها…منازلنا الأولى وفيها المخيم
وحي على روضاتها وخيامها…وحي على عيش بها ليس يسأم
أيا ساهيا في غمرة الجهل والهوى…صريع الأماني عما قليل ستندم
أفق قد دنا الوقت الذي ليس بعده…سوى جنة أو حر نار تضرم
وتشهد أعضاء المسيء بِما جنى…كذاك على فيه المهيمن يختم
الخطبة الثانية
أما بعد: عباد الله، وإنه مما ينبغي عند الحديث عن الوطن والحنين إليه أن نحذر من أُناسٍ وفئةٍ مِن الذين يدعون حبّ الوطن، ويدندنون دائما حول الوطنية وحبّ الوطن وضرورة الانتماء إليه، وهم أضرّ الناس على الوطن وأهله، يريدون لنا الفساد والوقوع في شباك الفاحشة والرذيلة، ويهدفون إلى أمور منها:
1-تقليص المواد الشرعية وتقليل نصابها في الحياة الدراسية التعليمية.
2-منع تدريس النصوص التي تذكّر أبناء المسلمين بعداوة اليهود والنصارى للإسلام وأهله، وطمس عقيدة الولاء والبراء في المناهج التعليمية.
3-السعي الجاد إلى اختلاط التعليم بين الرجال والنساء.
4-محاربة الحجاب وفرض السفور والاختلاط في المدارس والجامعات والمصالح والهيئات.
5-السعي الحثيث لموضوع قيادة المرأة للسيارة، ودائما ما تجدهم يردّدون: حقوق المرأة، المرأة إنسانة، ونحو هذه العبارات.
فهل من الوطنية الحقيقية والانتماء الجادّ للوطن حبّ إشاعة الفاحشة في مجتمعات المسلمين بدعوى الترفيه والتنشيط السياحي وعبر بوابة الاحتفالات الموسمية والفعاليات العائلية؟! وهل من الوطنية إغراق المجتمعات بطوفان من الفضائيات المخلة بالآداب والحشمة والعفة والتي لم تجلب للأمة إلا العار والدمار؟! وهل من الوطنية إغراق الأوطان الإسلامية بملايين السياح الأجانب من ذوي العقائد الوثنية أو اللادينية، فضلاً عن اليهود والنصارى، فيتصدّع جدار الولاء والبراء، وتُلتقط الصور التذكارية الجماعية لمسلمين وكفار؟!