موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 4761)
محمد بن عبد الله الخضيري
بريدة
جامع الملك خالد
الخطبة الأولى
أما بعد: أيها المسلمون، لقد فطر الإنسان على أمور عديدة، من تلك الأمور أن يحبّ المرء ماله وولده وأقاربه وأصدقاءه، ومن هذه الأمور كذلك حبّ الإنسان لموطنه الذي عاش فيه وترعرع في أكنافه، وهذا الأمر يجده كل إنسان في نفسه، فحب الوطن غريزة متأصّلة في النفوس، تجعل الإنسان يستريح إلى البقاء فيه، ويحنّ إليه إذا غاب عنه، ويدافع عنه إذا هوجِم، ويغضب له إذا انتُقص.
ومهما اضطر الإنسان إلى ترك وطنه فإنّ حنين الرجوع إليه يبقى معلّقًا في ذاكرته لا يفارقه، ولذا يقول الأصمعي:"قالت الهند: ثلاث خصال في ثلاثة أصناف من الحيوانات: الإبل تحن إلى أوطانها وإن كان عهدها بها بعيدًا، والطير إلى وكره وإن كان موضعه مجدبًا، والإنسان إلى وطنه وإن كان غيره أكثر نفعًا".
وهذا الأمر ـ وهو حب الإنسان لوطنه ـ غريزة في بني الإنسان، وجدها أفضل الخلق صلوات ربي وسلامه عليه، فقد أخرج الترمذي في جامعه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله لمكة: (( ما أطيبكِ من بلد، وما أحبكِ إليّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيركِ ) )صححه الألباني في صحيح الجامع (7089) .
فهو يحب مكة حبًا شديدًا، كره الخروج منها لغير سبب، ثم لما هاجر إلى المدينة واستوطن بها أحبها وألفها كما أحبّ مكة، بل كان يدعو أن يرزقه الله حبَّها كما في صحيح البخاري: (( اللهم حبِّب إلينا المدينة كحبّنا مكة أو أشد ) )، ودعا عليه الصلاة والسلام بالبركة فيها وفي بركة رزقها كما دعا إبراهيم لمكة. ونلاحظ أنّ حب النبي متأثر بالبيئة التي عاش فيها، فقد كان يحب مكة ويحنّ إليها، ثم لما عاش في المدينة وألفها أصبح يدعو الله أن يرزقه حبًا لها يفوق حبه لمكة.
وكذلك كان رسول الله إذا خرج من المدينة لغزوة أو نحوها تحركت نفسه إليها، فعن أنس بن مالك قال: كان رسول الله إذا قدم من سفر فأبصر درجات المدينة أوضع ناقته ـ أي: أسرع بها ـ وإذا كانت دابة حركها. رواه البخاري. قال أبو عبد الله: زاد الحارث بن عمير عن حميد: حركها من حبها.
قال ابن حجر في الفتح والعيني في عمدة القاري والمبارك فوري في تحفة الأحوذي:"فيه دلالة على فضل المدينة وعلى مشروعية حب الوطن والحنين إليه".
وفي صحيح البخاري: لما أخبر ورقة بن نوفل رسول الله أن قومه ـ وهم قريش ـ مخرجوه من مكة، قال رسول الله: (( أوَمخرجِيَّ هم؟! ) )قال: نعم، لم يأت رجل قطّ بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزَّرا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي.
قال السهيلي رحمه الله:"يؤخذ منه شدّة مفارقة الوطن على النفس؛ فإنّه سمع قول ورقة أنهم يؤذونه ويكذبونه فلم يظهر منه انزعاج لذلك، فلما ذكر له الإخراج تحرّكت نفسه لحبّ الوطن وإلفه، فقال: (( أوَمخرجِيَّ هم؟! ) )."
أيها الأحبة، إن الحديث عن الوطن والحنين إليه وحب الوطن يذكّر المؤمن بالله تبارك وتعالى بالوطن الأول ألا وهو الجنة. نعم، ذلك هو موطننا الأصلي الذي غفل عنه معظم الناس، وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف:103] .
قال الفضيل بن عياض رحمه الله: المؤمن في الدنيا مهموم حزين، همّه التزود بما ينفعه عند العود، فمن حين خلق الله آدم عليه السلام وأسكنه هو وزوجته الجنة ثم أُهبط منها ووعد بالرجوع إليها وصالحو ذريتهما.، فالمؤمن أبدا يحنّ إلى وطنه الأول، وحب الوطن من الإيمان.
قال ابن القيم رحمه الله في قصيدته الميمية:
فحيّ على جنات عدنٍ فإنها…منازلك الأولى وفيها المخيَّم
ولكننا سبي العدوّ فهل ترى…نعود إلى أوطاننا ونسلم؟
وقال أبو تمام:
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى…ما الْحب إلا للحبيب الأولِ
كم منزل في الأرض يألفه الفتى…وحنينه أبدا لأول منزلِ
وكان على بن أبي طالب يقول: (إنّ الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل) .
وقال عمر بن عبد العزيز في خطبته:"إن الدنيا ليست بدار قراركم، كتب الله عليها الفناء، وكتب الله على أهلها منها الظعن، فكم من عامر موثق عن قليل يخرب، وكم من مقيم مغتبط عما قليل يظعن، فأحسنوا رحمكم الله منها الرّحلة بأحسن ما بحضرتكم من النُّقلة، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى، وإذا لم تكن الدنيا للمؤمن دارَ إقامة ولا وطنا فينبغي للمؤمن أن يكون حاله فيها على أحد حالين: إما أن يكون كأنه غريب مقيم في بلد غربة، همه التزود للرجوع إلى وطنه الأول، أو يكون كأنه مسافر غير مقيم البتة، بل هو ليله ونهاره يسير إلى بلد الإقامة، فلهذا وصّى النبي ابن عمر أن يكون في الدنيا على أحد هذين الحالين".
ولهذا كان المؤمن غريبا في هذه الدار أينما حلّ منها فهو في دار غربة، كما قال النبي: (( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ) )أخرجه البخاري.