فهرس الكتاب

الصفحة 17436 من 27364

وهكذا تقلص تعداد الأبخاز فأصبح مائة ألف فقط - وفق إحصاءات جورجيا - بين غابة من الجنسيات المتباينة ، أما بقية الأبخاز فقد شتتها النظام الشيوعي إلى سيبيريا في شمال الاتحاد السوفييتي وإلى مصر والأردن وتركيا وسوريا ، ويكفي أن نعلم أنه يعيش منهم في تركيا وحدها أكثر من 300ألف أبخازي .

وقد ركّزت حملة الإبادة بصفة خاصة على المثقفين من الأبخاز لأنهم يمثلون عقل الشعب وذاكرته التي تحمل قضيته وتعبر عنه و تشكل إرادته وتقوده إلى النضال من أجل الاستقلال .

وإمعانا في طمس الهوية واندثار التاريخ قامت جورجيا بإحراق الأرشيف الوطني ، ودار المتحف الوطني ، ومعهد الأبحاث العلمية واللغوية في محاولة لقطع جذور هذا الشعب من التاريخ .

لكن بالرغم من كل ذلك لم يستسلموا ولم يفرطوا في دولتهم ولم ييأسوا من الدفاع عن بقائها حيّة على خارطة الكون وحيّة على المسرح السياسي ،فعاشوا في حركة تدافع مع الآلة العسكرية السوفيتية بين مطالبة بالاستقلال واحتجاج على الاحتلال الجورجي ، وقد كلفهم ذلك الكثير ، ففي عهد ستالين ( صاحب الحملات الأشد قسوة ضد المسلمين في الجمهوريات الإسلامية عموما ) شنت القوات السوفيتية حملات متتالية للقضاء على قوتهم ، وفي نفس الوقت واجه قادتهم السجن والنفي والقتل في سجون سيبيريا على أيدي القوات السوفيتية .

وفي عهد خروشوف هب المسلمون مرة أخرى للمطالبة بحقهم في الاستقلال لكن السلطات السوفيتية ردت عليهم بحملة وحشية حتى قضت على حركتهم .

وهكذا قوبلت أي تحركات للأبخاز على امتداد ستة وستين عاما ( 1926- 1992م ) للمطالبة بالاستقلال بالقمع الوحشي كما قوبلت أي مطالبة بالحقوق المشروعة بالرفض التام والتهديد بالانتقام

انهيار الإمبراطورية السوفيتية

عندما انهار الاتحاد السوفيتي وتفككت دوله عام 1990م ، كانت الحياة في دوله قد أصيبت بالتفكك والتحلل والاضطراب والفراغ السياسي ، وكان نصيب جورجيا من ذلك كبيرا ، فقد شهدت فراغا سياسيا بعد أن تم عزل الرئيس جامسيا خورديا وفراره إلى غرب البلاد ، وتنصيب مجلس عسكري جديد لحكم البلاد ، لكن قوات خورديا تمكنت من السيطرة على غرب البلاد حيث خاضت حربا شديدة ضد الحكم الجديد.

خلع الرئيس وحرب الاستقلال

وظلت الحرب سجالا بين المجلس العسكري الجديد والرئيس المخلوع حتى تم التضييق عليه ففر إلى أبخازيا محتميا بأراضيها وأهلها .. وهكذا بعد أن كان جامسيا خورديا شوكة في ظهر أبخازيا ومهددا لاستقلالها وسيفا مسلطا على أمنها واستقرارها ، أصبح أمنه ومصيره بيد شعبها بعد أن فر إليهم طالبا الحماية .

وقد عاشت جورجيا بسبب هذه الأحداث فراغا سياسيا واضطرابا اقتصاديا أصابها بالعجز .. وهو ما مثّل فرصة نادرة للأبخاز لإعلان دولتهم المستقلة من جانب واحد عام 1992م، وأعلنوا في نفس الوقت العودة للعمل بدستور 1925م وهو آخر دستور للدولة الأبخازية قبل أن يعلن ستالين ضمها إلى جورجيا عام 1926م.

وقد جاء إعلان قرار استقلال أبخازيا بمثابة الصاعقة على المجلس العسكري الحاكم في جورجيا في ذلك الوقت والذي كان يسيطر عليه تيار التطرف القومي الرافض بقوة لفكرة استقلال أبخازيا من الأساس.

وكان تقدير المجلس العسكري أن القضاء على الأبخاز لن يتجاوز سوى أياما معدودة نظرا لتعدادهم المتواضع الذي لا يتجاوز المائة ألف نسمة ،فأعلن الحرب الشاملة في أغسطس 1992م ، وبالفعل حقق انتصارات كبيرة في بداية الحرب لكن المعركة لم تنته فقد واصل الأبخاز المقاومة ببسالة نادرة فاجأت جميع المراقبين ووضعت جورجيا ونظامها العسكري الجديد في مأزق لا يحسد عليه.

وبعد أن انتهت الفترة الانتقالية التي تولي فيها المجلس العسكري إدارة البلاد بانتخاب ادوارد شيفارنادزة رئيسا جديدا للبلاد لم يتريث النظام الجديد في مواصلة القتال ولم يفكر في دراسة الموقف من جديد ولكنه اختار طريق مواصلة الحرب بينما اختار الأبخاز مواصلة المقاومة حتى قلبوا الميزان العسكري لصالحهم وحققوا نصرا ساحقا.

فما الذي حدث بالضبط حتى ينقلب الميزان بهذا الشكل لصالح الأبخاز؟

هناك عوامل عديدة تضافرت لصالح الأبخاز ، يمكن إجمالها فيما يلي:

قوة شكيمتهم ومراسهم في القتال والتي أعجزت الجورجيين وآلمتهم كثيرا ، ولاشك أن ذلك عوضهم عن قلة تعدادهم أمام جحافل القوات الجورجية ، هذا إضافة إلى استنادهم إلى قوة ضخمة من أشقائهم الأبخاز الذين يبلغ تعدادهم 2 مليون أبخازي ينتشرون في دول القوقاز المجاورة لهم ( الشيشان - الشركس - تتارستان ..وغيرها ) ، وكذلك الدعم المتواصل من أهلهم المهاجرين - منذ حملات التهجير القسري - في تركيا والأردن وغيرها الذين لم يتوانوا عن إمدادهم بالمعونات المادية والعينية .

انحياز روسيا في بداية الحرب إلى جانب الأبخاز دون الإعلان عن ذلك صراحة

ولعل الموقف الروسي من هذه القضية برمتها يحتاج إلى شيء من التفصيل ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت