فهرس الكتاب

الصفحة 17437 من 27364

لم يكن الموقف الروسي المؤيد للأبخاز انتصارا لقضية الشعب الأبخازي بقدر ما كان انتقاما من جورجيا التي رفضت الانضمام إلى كمنولث الدول المستقلة الذي شكلته موسكو عقب انفراط عقد الاتحاد السوفييتي ، وهذا الرفض من قبل جورجيا حرم روسيا من النفاذ إلى موانئ البحر الأسود الذي تطل عليه جورجيا وأبخازيا .

وقد مثل هذا الموقف الروسي المؤيد للأبخاز مفاجأة لجورجيا جعلت الرئيس المنتخب ادوارد شيفارنادزة يتهم روسيا صراحة"بالخيانة"لوعودها بمساعدة بلاده عسكريا في حربها ضد الأبخاز .

لكن الموقف الروسي اعتدل بعد ذلك لصالح جورجيا بعد أن سارع الرئيس الجورجي بالذهاب إلى موسكو وإعلان الانضمام من هناك إلى رابطة الدول المستقلة (الكمنولث) وتوثق التعاون الجورجي الروسي بتوقيع الجانبين اتفاقية تعاون عام 1994م تؤكد على أن أبخازيا جزء لا يتجزأ من الأراضي الجورجية .

وعلى إثر ذلك أعلن الرئيس الروسي- في ذلك الوقت - بوريس يلتسين موقفا جديدا لصالح جورجيا وذلك بتوجيه تحذير شديد اللهجة إلى الأبخاز من عواقب استمرار العمليات العسكرية ، و حصلت روسيا بمقتضي اتفاقية التعاون تلك على ثلاث قواعد عسكرية في جورجيا ، كما حصلت على منفذ على البحر الأسود .

وفي عام 1997م وقع الجانبان اتفاقية تقضي بحل مشكلة أسطول البحر الأسود الذي كان يمتلكه الاتحاد السوفييتي السابق وآلت ملكيته لجورجيا بعد"الانفكاك"لكن روسيا نازعتها فيه بصفتها الوريث الأكبر للإمبراطورية السابقة ، وقد حلت اتفاقية عام 1997م المشكلة ، وحصلت جورجيا بمقتضاها على أربع قطع من الأسطول.

موقف الأبخاز من الاتفاقية

الأبخاز من جانبهم لم يقفوا مكتوفي الأيدي حيال ذلك التحالف الروسي الجورجي ، بل ردوا على تلك الخطوات بتوقيع معاهدة مع جمهورية تتارستان المجاورة (جمهورية قوقازية تتمتع بالحكم الذاتي داخل روسيا ) وهو ما مثل ضربة لروسيا من الداخل جعلها تسارع بإعادة النظر في موقفها وتتحسب خطاها من الانزلاق نحو العداء الكامل لأبخازيا ، وهو ما أغضب جورجيا مرة أخرى ودفعها نحو تأييد المجاهدين الشيشان القريبين من حدودها نكاية في روسيا .

وهكذا تأرجح الموقف الروسي حيال قضية الصراع الجورجي الأبخازي ، بين تأييد للأبخاز نكاية في جورجيا المتمردة من جانب ورغبة في التواجد بقوة في المنطقة تحقيقا لمصالحها وترسيخا لهيمنتها على المنطقة من جانب آخر .

ولذا فإن روسيا تسعى منذ سقوط الاتحاد السوفييتي إلى الهيمنة على دوله وقد عللت ذلك بمجموعة من المبررات ترى أنها تؤيد موقفها ، ومن أبرزها:

الحفاظ على الأمن القومي الروسي .

الصراعات الإثنية في دول الجوار القريب وخطورة امتدادها إلى داخل روسيا .

الدفاع عن مصالح الأقليات الروسية داخل الدول .

الدور الروسي خلف الصراعات الداخلية

وفيما يتعلق بالصراعات الداخلية داخل الدول أو بين الدول بعضها مع بعض كان الدور الروسي واضحا ومؤثرا في معادلات الصراع ، بل إن روسيا قامت بدور كبير في تأجيج العديد من الصراعات بين الدول وفي داخلها حتى توجد ذريعة قوية لتدخلها سياسيا وعسكريا

، وقد كان ذلك واضحا في الصراع الجورجي الأبخازي ومع أن موسكو - فيما يبدو - أيدت استقلال أبخازيا في مرحلة من المراحل ، إلا أنها تعاملت بحذر شديد مع ذلك ، فروسيا ومنذ سقوط الاتحاد السوفييتي تقف سدا منيعا أمام أي نزعة استقلالية جديدة داخل الكيان السوفييتي السابق لأن ذلك يمثل نموذجا مشجعا يغري الجمهوريات والكيانات التي مازالت واقعة في القبضة الروسية ولم تستطع الفكاك منها بعد ومنها جمهوريات القوقاز ذات الحكم الذاتي ( الشيشان - داغستان - الأنجوش - قيرقزيا - إديقيا ) ، وغيرها من الكيانات الأخرى مثل تتارستان وبشكيريا الموجودتان داخل الكيان الروسي وتتمتعان بحكم ذاتي .

هذه الدول إذا استقلت فسوف تشكل لا محالة كتلة إسلامية كبرى تهدد مشاريع روسيا بل ومستقبلها .

أمريكا تقفز إلى المنطقة

الموقف الروسي غير المطمئنلجورجيا دفعها لحسم أمرها واللجوء إلى الولايات المتحدة وعقد صفقة متكاملة معها ، تدعم الموقف الجورجي عسكريا واقتصاديا ودوليا وتسمح في نفس الوقت للنفوذ الأمريكي باختراق المنطقة ، وهو الأمل الذي ظل يداعب واشنطن منذ سقوط الاتحاد السوفييتي وحانت بذلك فرصة تحقيقه .

وفي يوم الخميس 28فبراير 2002م فوجئت روسيا والعالم بوصول أول مجموعة من العسكريين الأمريكيين إلى العاصمة الجورجية تبليسي . وفي سجل صراع النفوذ في المنطقة أصبحت قاعدة"قارزياني"الجورجية هي الأولى التي تدخلها قوات أمريكية بعد انسحاب القوات الروسية منها مباشرة ، وهي الثالثة التي تحل فيها قوات أمريكية بعد دخول قوات أمريكية إلى قيرغيزستان وأوزبكستان على حساب القواعد السوفيتية السابقة وهو ما يعني زحزحة النفوذ الروسي خطوة أخرى لصالح النفوذ الأمريكي ..وهي الخطوة التي سيتلوها - بلا شك - خطوات أخرى أكبر وأوسع في سبيل التمكين لمزيد من النفوذ الأمريكي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت