فهرس الكتاب

الصفحة 17438 من 27364

وقد صاحب وصول هذه المجموعة من العسكريين الأمريكيين ردود فعل من جميع الأطراف المعنية مازال صداها يتردد خاصة أن لها أبعادها الاستراتيجية والعسكرية المستقبلية المهمة ..

ورغم أن الولايات المتحدة أكدت مرارًا أن مجيء قواتها لجورجيا إنما هو لتدريب القوات الجورجية على مقاومة الإرهاب في إشارة منها للمقاتلين الشيشان القريبين من جورجيا وفي محاولة لتطمين روسيا، إلا أن رئيس لجنة العلاقات في مجلس الدوما الروسي قال صراحة إن أي عمل عسكري في المنطقة ( حتى ولو كان ضد مقاتلين شيشان ) سيحمل تهديدا للحدود الروسية وأن موسكو تملك الحق في اتخاذ إجراءات الدفاع عن أمنها القومي

وقد ردت موسكو على سماح جورجيا بدخول قوات أمريكية لأراضيها بعدد من الإجراءات الضاغطة ، فقد صوت مجلس الدوما الروسي ( يوم 1/3 /2002م) بغالبية كبيرة على قرار يقضي بإمكان النظر في وضع جمهوريتي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية ( شمال جورجيا ) وهو ما يشير إلى إمكانية اعتراف موسكو باستقلال الدولتين , الأمر الذي أثار غضب وتخوف جورجيا المتشبثة ببقاء الدولتين ضمن أراضيها .

لكن الذي تكشف فيما بعد أن هناك صفقة كبيرة بين جورجيا والولايات المتحدة تفتح الأولى بمقتضاها أراضيها للقوات الأمريكية والتمكين للهيمنة الأمريكية هناك على حساب النفوذ الروسي مقابل تسهيل واشنطن انضمام تبليسي لحلف شمال الأطلنطي , وقد أكد ذلك مستشار الرئيس الجورجي للشؤون الخارجية صراحة قائلا:"إن بلاده لن تتراجع عن قرارها بتقديم طلب للانضمام للحلف عام 2005م ، وكان أكثر تحديدا عندما أوضح أن الجهود التي تقوم بها بلاده لتدريب قواتها المسلحة تتم حسب المعايير التي وضعها الحلف مشيرا إلى المساعدات التي تتلقاها بلاده في هذا الصدد من دول الحلف وعلى رأسها واشنطن ولندن وباريس ."

وقد سارت جورجيا خطوة أكثر تقدما في سبيل توطيد العلاقات مع واشنطن بتعيين سفيرها السابق لدى واشنطن تيدوجاباريدزة سكرتيرا لمجلس الأمن القومي الجورجي وهو الموقع الأكثر أهمية بعد موقع الرئيس ، الأمر الذي دعا مراقبين في موسكو إلى التكهن بأن سياسة جورجيا تسير نحو ترسيخ وجود عسكري طويل الأمد في المنطقة ، وهو ما دعا مسؤولين روس إلى القول بأن الأسباب الحقيقية لظهور القوات الأمريكية في منطقة القوقاز ( جورجيا متاخمة لمنطقة القوقاز ) مازال خافيا .

على الطرف الآخر مثلت هذه التطورات الجدية إزعاجا شديدا لأبخازيا وأوسيتيا الجنوبية المتخوفتين على استقلالهما من الدعم الأمريكي لجورجيا ضدهما مما دفعهما إلى التلويح بإمكانية انضمامهما إلى الاتحاد الروسي .

صراع متواصل الحلقات

وصراع القوى المحلية والدولية في هذه المنطقة متشعب ومتعدد المراحل وهو لا ينفك عن صراع نفس القوى الدولية على مناطق النفوذ في دول الانفكاك السوفييتي بأسرها وخاصة ذلك الصراع المكتوم بين روسيا والولايات المتحدة إذ تتخوف الإدراة الروسية من إمكان وجود خطة في الإدارة الأمريكية ترمي لاحتواء روسيا عسكريا من خلال مد ولاية الناتو العسكرية ، واقتصاديا من خلال تحجيم النفوذ الاقتصادي الروسي على دول المنطقة وتجاهل المصالح الروسية في موضوع إبرام العقود والصفقات الكبرى المتعلقة بالطاقة خصوصا طاقة بحر قزوين.

مستقبل الأوضاع

يبرز بعد ذلك السؤال الطبيعي: إلى أين تتجه هذه الأزمة وكيف سيكون مستقبل الصراع في أبخازيا ؟

قبل التوقف عند ذلك السؤال تجدر الإشارة إلى أن الصراع في هذه البقعة سيطول إلى فترة ليست بالقصيرة وذلك لإصرار الطرفين كل على موقفه .. جورجيا تتمسك بأبخازيا تحت قبضتها معتبرة إياها جزءا لا يتجزأ من أراضيها ... وأبخازيا تتمسك بحقها في الاستقلال مهما كلفها ذلك من تضحيات ، ويغذي موقف كل طرف ذلك الشعور الوطني والعقائدي المتنامي عند كل طرف .

على الجانب الجورجي ... هناك تيار قومي استئصالي متزايد ويمسك بزمام الأمور في البلاد ، ويدعو بوضوح إلى إبادة الأبخاز عن بكرة أبيهم ، ومن أبرز قادة هذا التيار رئيس البرلمان السابق تامازنادير ( عام 1992م) والذي قال صراحة إثر تفجر القتال بين الطرفين عام 1992:"إن التعايش مع الأبخاز متعذر".

كما أن وزير الدفاع في ذلك الوقت جورجي كركاراشفيلي أعلن في زهوة انتصاراته في بداية المعارك أنه مستعد للتضحية بمئة ألف جورجي مقابل مئة ألف أبخازي ( حيث هم كل تعداد الأبخاز ) ، قاصدا بذلك بالطبع ما قصده زميله رئيس البرلمان وهو إبادة الشعب الأبخازي عن بكرة أبيه !

صحيح أن هذه التصريحات الاستئصالية اختفت مع تحول النصر الجورجي إلى هزيمة ، إلا أن قوة هذا التيار مازالت موجودة ، بل وتتزايد.

على جانب الحكومة الجورجية ذاتها فإنها لم تبد أي مرونة في قبول استقلال أبخازيا على أي صورة من الصور، وربما يسندها في ذلك إصدار مجلس الأمن أكثر من ثلاث إدانات لمحاولة أبخازيا السعي للاستقلال عن جورجيا !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت