وفي فقرة أخرى كتب"في المقابل هناك مصلحة للقوى الإسلامية في الحوار مع واشنطن، إذ يعتبرها البعض فرصة تاريخية قد لا تتكرر، وعلى الإسلاميين استغلالها، بل والتمهيد لها، وتوفير البيئة المناسبة لإنجاحها، وذلك بإرسال إشارات ايجابية إلى واشنطن، ومن ثم تأهيل جماهيرييها لهذا التحول الجذري في سياستها تجاه"الشيطان الأكبر"، مثلما عليها مراجعة أدبياتها وأيدلوجياتها بخصوص الصراع مع الولايات المتحدة، ولعل أبرز السمات السلبية التي اتسمت بها الحركات الإسلامية فيما مضى كان قصر نظرها في التعامل مع القوى الدولية، وإغفالها بنا في ذلك الرأي العام العالمي، مثلما أغفلت أهمية التواصل مع الولايات المتحدة"، من هؤلاء البعض الذي يعتبرون الحوار مع أمريكا والتي دمرت العراق وأفغانستان فرصة تاريخية تتطلب تأهيل جماهير الحركة الإسلامية، وكيف سيكون إعادة التأهيل أن تقول لجماهيرها: لا تقاطعوا البضائع الأمريكية، لا تبكوا على قتلاكم في العراق وأفغانستان، ولا تنددوا بما حدث في أبي غريب وبوكا وغيرهما؟ وأين كان قصر النظر عند الحركات الإسلامية، هل كان المطلوب منها أن تتطلب من عناصرها عدم قراءة آيات القرآن، والتي تقول: (( ولن ترضى عنك اليهود والنصارى حتى تتبع ملتهم ) ).
وفي تناوله للتجربة التركية أهمل الكاتب عوامل محلية وإقليمية تختلف عن البلاد العربية، ففي تركيا والتي شهدت عقودًا من التغريب، ومحاولات مستميتة لطمس الهوية والشعائر الإسلامية؛ جرت انتخابات ديمقراطية حقيقية، أوصلت للحكم تيارًا إسلاميًا يحكم وسط حقول من الألغام والتربص به من قبل علمانيي الجيش، ومع ذلك فقد نجح في منع أمريكا من استخدام الأراضي التركية في غزوها للعراق، أضاف الكاتب في الحديث عن التجربة التركية:"حتى إنهم نفذوا الشروط والمطالب الأوربية حتى لو تعارضت مع الشريعة الإسلامية: كإلغاء عقوبة الإعدام!، فهل الحركات الإسلامية في الدول العربية مرشحة لتقبل كل ذلك؟"، فهل يعتبر الأخ الفاضل المواقف المتعارضة مع الشريعة الإسلامية من قبيل الانفتاح والعقلانية؟!.
العقبة الوحيدة في طريق الحوار الأمريكي مع الإسلاميين في رأي الكاتب تكمن في"إسرائيل"، والتي كتب محللًا عنها فقال:"وفي الحديث عن العقبة"الإسرائيلية" أمام نجاح أي حوار أو تقارب إسلامي أمريكي يجدر القول: إن موقف الحركات والتيارات الإسلامية من"إسرائيل"بدأ بالتغير والتحول، وثمة مواقف متعددة هنا، فموقف الحركات الإسلامية في تركيا مثلًا يختلف تمامًا عن موقف الإخوان في الأردن ومصر، وربما للبعد الجغرافي دور لافت في ذلك، ومع ذلك فإن موقف حماس والإخوان في الأردن ومصر وبلاد الشام عمومًا من إسرائيل موقف هلامي قابل للتغير والتشكل والتفكك في أي لحظة وفقًا للمتغيرات ورياح التغيير التي تحدثنا عنها"، يبشرنا الأخ طارق بالتحول والهلامية في مواقف الحركات الإسلامية حسب توصيفه من الدولة العبرية خصوصًا بعد أن حكمها في السنوات الأخيرة شارون، وأذاق الفلسطينيين ألوان الدمار والقتل والاغتيالات.
مقال الأخ طارق حفل بالألغام والإشارات غير الموفقة، والتي تنزع عن أي تيار يرى ما يراه ليس الصفة الإسلامية فحسب بل حتى الوطنية والإنسانية، فالجرائم الأمريكية في مناطقنا والعالم أكبر من أن تعد أو تحصى في مجلدات، وإذا كانت أمريكا قد أرغمت العراق على دفع التعويضات لاحتلال نظامه الكويت، وأجبرت القذافي على دفع مبالغ ضخمة لضحايا لوكربي، فإن المطلوب منا أن نطالب أمريكا بدفع التعويضات عما ألحقته ببلادنا وشعوبنا من الدمار والقتل والإرهاب، ونورث هذا المطالب لأجيالنا.
لست ضد الحوار من حيث المبدأ، غير أن المطلوب من أمريكا أولًا أن تتوقف عن ارتكاب جرائمها ضد شعوبنا وبلادنا، وأن تعتذر عنها، والمطلوب منا أن نتمسك بثوابتنا وعقيدتنا الإسلامية، إن لم يكن من أجل تحرير بلادنا فعلى الأقل لنحسب حساب يوم نلقى الله، يوم لا ينفع مال ولا بنون، إن العمل السياسي واجب ومطلوب، ولكن خطوطه الحمراء هي عقيدتنا وثوابتنا، ومن بعد حقوقنا والتي يجب علينا عدم التفريط بها، إن الحقوق لا تسقط بفعل الاختلال الكبير في موازيين القوى، ولا تموت بالتقادم، إنما تسقط بتنازل أصحابها عنها.
(( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ(173) فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174 ) ).
المصدر: http://www.alas صلى الله عليه وسلم ws/index.cfm?method=home.con&ContentId=6600