وعليه فنحن ننطلق من أرضية تؤمن بأن الحضارات ليست"كتلا"تعمل كل منها وكأنها آلية منتظمة في ذاتها، صماء في طبيعتها، بل يوجد التنوع والتناقض في داخل كل حضارة، وهو ما أتاح وجود ما يسمى برؤى متعددة للعلاقة بين الحضارات، لا نقول الحوار أو الصدام؛ حيث إن كلا منهما ما هو إلا تجسيد لإحدى هذه الرؤى بحسب المصلحة والسياق التاريخي. بلغة أخرى: إن ما سمح بوجود التنوع في الغرب هو أن الغرب توجد فيه رؤى متعددة حول العلاقة بين الحضارات، يحدد هذه الرؤى مصالح ومواقع البشر في البناء الاجتماعي؛ مما يتيح أن نجد جماعات بحكم المصالح/المواقع تتبنى الحوار، وأخرى تسعى إلى الصدام وهكذا..
ربما تسود رؤية لواحدة من هذه الجماعات في لحظة تاريخية محددة، وهنا لا بد من قراءة موازين القوى التي ترجح قوة على أخرى في لحظة زمنية بعينها. وعليه فإن العلاقة بين الحضارات -حوارًا كانت أم صدامًا- ليست قرارًا سابق التجهيز وإنما هي -بحسب الجابري-"عملية تاريخية"؛ حيث إنه من القرن السادس عشر يميل الميزان الحضاري إلى جهة الغرب (أو ما اصطلح على تسميته بالمركزية الغربية) ، ومن ثَم استطاع أن يفرض الصدام تارة، أو يدعو للحوار تارة أخرى أو أن نجد الأمرين معًا، كذلك يميل الميزان في داخل الغرب ذاته إلى أنصار الصدام أكثر من الحوار.