فهرس الكتاب

الصفحة 4876 من 27364

فكان المفروض أن يجري الأمر في عهد عيسى على ذات النسق الذي جرى به على عهد موسى - عليهما السلام -، بينما الذي جرى بعد عيسى أن تم ابتداع فكرة الكنيسة و التي لا سند لها إلا ذلك القول المنسوب إلى المسيح في إنجيل متى"أنت بطرس، و على هذه الصخرة ابن كنيستي و أبواب الجحيم لن تقوى عليها، و أعطيك مفاتيح ملكوت السموات، فكل ما تربطه في الأرض يكون مربوطا في السموات، و كل ما تحله على الأرض يكون محلولا في السموات!!"، و هي قولة يصعب قبول صدورها عن رسول لله - تعالى -، فعيسى نفسه لا يملك أن يربط شيئا أو يحله في الأرض إلا بإذن ربه، و ليس له أن يحل أو يحرم إلا بإذن الله، و لكن الكنيسة نشأت و استمدت سلطانها الزائف من تلك الأسطورة المنسوبة للمسيح.. و هي التي أعطت حق الحل و الربط لحواريّه بطرس، و هذا أعطاه بدوره لآباء الكنيسة من بعده، فما ربطه بطرس و خلفاؤه من بعده في الأرض لا يحل في السماء، و ما حله في الأرض لا يربط في السماء، أي إنهم زعموا أن الأرض تحكم السماء، و أن البشر يحكمون قدر الله و مشيئته..

و قد اكتفت الكنيسة الأوربية اكتفت بسلطانها الروحي على قلوب تابعيها، غير أن ذلك لم يستمر إلا في وقت استضعافها في القرون الثلاثة الأولى، حيث كان النصارى مضطهدين في عهد القياصرة الوثنيين، و لكنها استأسدت بعد ذلك في القرن الرابع حين دخل قسطنطين في النصرانية، و مكن للكنيسة و رجالها، بعد أن أفلح في مزج دينها بأساطير الوثنية، و أرضى بذلك النصارى و الوثنيين معا، و أمَّن سلطانه على الإمبراطورية التي كان النزاع الديني قد أوشك على القضاء عليها!

و يمكن الرجوع إلى أحاديث الشيخ يوسف استس في موقعه http://www.islamtomo r row.com/، و هو قس أمريكي سابق اعتنق الإسلام من سنين، و هو يحكي فيه كيف أن قسطنطين مزج المسيحية بالوثنية الرومانية، و منها مثلا أن يوم الأحد صار اليوم المقدس لدى المسيحيين، لأن قسطنطين أراد هذا..

و حين أصبح للكنيسة سلطان سياسي إلى جانب السلطان الروحي بدأ الطغيان.. و في بيان للبابا نقولا الأول ورد في كتاب قصة الحضارة للكاتب ول ديورانت، يقول"إن ابن الله أنشأ الكنيسة بأن جعل الرسول بطرس أول رئيس لها، و إن أساقفة روما قد ورثوا سلطات بطرس في تسلسل مستمر متصل، و لذلك فإن البابا ممثل الله على ظهر الأرض يجب أن تكون له السيادة و السلطان الأعظم على جميع المسيحيين حكاما كانوا أو محكومين".

ثم فرضوا سلطاناً فكرياً رهيباً يحجر على العقول أن تفكر إلا بإذن الكنيسة، و في الحدود التي تسمح بها الكنيسة، و قد كان هذا ضرورة لازمة منطقية مع التحريف الذي حدث في الدين، خاصة فيما يتعلق بذات الإله و العشاء الرباني، و قدرات الكهنة المتمثلة في كراسي الاعتراف و صكوك الغفران التي تدخل الجنة و غير ذلك من أمثال تلك الأسرار.. كلها أمور لا يستطيع العقل أن يدركها و لا أن يتدبرها.. فماذا لو أعمل الناس عقولهم، فاكتشفوا أن يقال لهم باسم العقيدة كلام لا يثبت للتمحيص؟، ماذا يبقى للكنيسة عندئذ من سلطان على الناس؟، فالحل الأمثل لهذه الحال إذن أن تحجر الكنيسة على العقل، و أن يعتبر التفكير هرطقة تفضي إلى إهدار الدم في الدنيا، و الحرمان من الغفران.

و لما بدأت العلوم تتسرب إلى أوربا من العالم الإسلامي عن طريق الترجمة، و تحدث ما يمكن أن نسميه غزوا فكرياً إسلامياً خاصة بعد خسارة أوروبا الحروب الصليبية.. جن جنون الكنيسة ففرضت حجرا على العلم و أهدرت دم كل من يقول يومئذ بكروية الأرض، أو أنها ليست مركز الكون، و هو العلم الذي نقله علماء النصارى الأوائل من مؤلفات العلماء المسلمين.

تحولت المسيحية على يد الكنيسة و آبائها و مفكريها إلى أغلال تفسد الحياة و تقعد بها عن النمو السويّ، و تحولها إلى مستنقع آسن لا ينبض بالحياة و لا يسمح للحياة أن تنبض فيه، دين يهمل الحياة الدنيا بدعوى تفاهتها و حقارتها و عدم جدارتها بالاهتمام، و بدعوى أن الإنسان خاطئ بطبعه، و لا سبيل إلى إصلاحه في الحياة الدنيا و كفه عن الخطيئة إلا بكفه عن ممارسة الحياة ذاتها، دين يحتقر الجسد ويشمئز من نشاطه الفطري، لأن هذا النشاط هو الذي يوقع الناس في الخطيئة، وما دفع إلى الخطيئة فهو ذاته خطيئة! و علاجه الوحيد هو الكبت و القهر.. دين يحقّر الإنسان ليمجد الرب.. كأنما لا يتحقق تمجيد الرب إلا بتحقير الإنسان... و ذلك بدعوى ان الإنسان إذا اتجه لتحقيق وجوده تمرد على الرب، فلا بد من سحقه و إذلاله و تحقيره لكي يتمجد الرب في قلبه، فيحصل على الخلاص.. دين يصرف الناس عن عمارة الأرض، و عن ترقية الحياة و تنميتها، بدعوى أن ذلك سيصرف الناس عن التوجه إلى الآخرة، و سيحرك شهواتهم التي لا بد أن تكبت، و من ثم يوقعهم في الخطيئة الواقفة للإنسان بالمرصاد... دين يحارب العلم، بسبب جهل البابوات و رجال الدين، و عدم اهتمام غالبيتهم بتثقيف أنفسهم، و اكتفائهم بسلطانهم الروحي على الجماهير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت