وأشار منير إلى أنه ينبغي أن ننظر إلى الأكاديمية الغربية والعلوم الإنسانية والجامعة كجزء من هذه المنظومة بمقاييسها المسيطرة التي أشير إليها.. وذكر منير أن إدوارد سعيد في"الاستشراق"قام بنقد حداثي للأكاديمية الغربية في مجال من مجالات العلوم الإنسانية وهو مجال الاستشراق.. إلى حد أظهر أن كل هذه الهيبة وتلك السيطرة الثقافية لمدرسة الاستشراق أصبحت ضعيفة غير قادرة على الدفاع عن نفسها، وأنها قامت على أسس واهية من الناحية المعرفية ومن الناحية العلمية.. حتى إن البعض ذهب إلى القول بأن مدرسة الاستشراق التي تحدث عنها إدوارد لم تعد موجودة، وبدلا منها هناك ما يسمى بالدراسات الإسلامية في الغرب.
وفي تصور منير شفيق فإن نفس الشيء يجب أن يمارَس على مستوى كل العلوم الإنسانية وكل ما بين أيدينا في الأكاديمية الغربية يجب أن تنزع عنه هالته.. وأن يتجرأ العلماء الشرفاء على نقد هذه الحداثة بما فيها فلسفة الأنوار نقدا صارما وعلميا، وعلى أسس دقيقة بديلة؛ لتكون عندنا مناهج ومدارس جديدة في علم الاجتماع، وفي علم النفس، وفي اللسانيات، وفي القانون، وفي الفلسفة، تكون بديلا لهذا النقد؛ نفس هذه العملية -يقول منير- حاول ماركس أن يمارسها في كتابه"رأس المال"عندما قام بنقد النظام الرأسمالي.. وهذا الكتاب يشكل -في نظر منير- نموذجا لنمط النقد الذي يعنيه للحداثة الرأسمالية الليبرالية أو الحداثة المهيمنة.
قراءة جديدة
ومن بين الأمثلة التي ذكرها منير في هذا الصدد: البنك في العالم الغربي؛ إذ رأى أنه يجب ألا ينقد فقط من زاويته الربوية وإنما أيضا من داخله، وأن تدرس آلياته، وأن يرى أخطبوطا يمسك بكل شرايين المجتمع ويمسك بالأفراد وبحياتهم ويقرر إلى حد بعيد أنماط حياتهم وأنماط الاقتصاد؛ حيث إن المشكلة في مبدأ البنك المسيطر والأخطبوط العالمي.. ووجه منير الدعوة إلى الأساتذة والطلبة ومعدي الدكتوراة كي يصرفوا سنوات طويلة من حياتهم، ويكدوا كدا حقيقيا في البحث والتنقيب حتى يخرجوا بنقد علمي دقيق صارم لهذه المؤسسة..
نفس الشيء يجب أن يطبق على علم الاجتماع، وذكر الأستاذ منير أن بعض كبار علماء الاجتماع يتحدثون عن النظام الأبوي في المجتمع العربي، ويصفونه بالنظام البترياركي، وأن معظم كليات علم الاجتماع راحت تتكلم عنه، دون أن تقوم بدراسة دقيقة لمكونات العائلة، بكل جوانبها وبكل مركباتها وتعقيداتها؛ لتقدم لنا نمط العائلة على ضوء دراسة واقعية موضوعية، وليس بنقل مسلّمة تعتبر علمية وتلبس إلينا تلبيسا.. وعندما تأتي لتطبقه على عائلاتنا تجد أن العائلة العربية المسلمة لا ينطبق عليها هذا الوصف ومحدداته!!
فعلوم الاجتماع والعلوم الإنسانية الغربية بما في ذلك الفلسفة الغربية -والكلام لمنير- ليست بالقوة والهالة، حتى من الزاوية العلمية المعرفية التي تتمتع بها، ولولا السيطرة العسكرية والاقتصادية والسياسية والمالية العالمية لما صمدت.
وعمليا لا بد -كما يقول شفيق- أن نشجع علماء من بيننا عندهم استعداد أن يقضوا عمرهم من أجل أن يخرجوا بدراسة بديلة لعلم الاجتماع وعلم اللسانيات وعلم الاقتصاد وعلم القانون... ويصبح لها السيطرة العلمية المطلوبة. وهذا الأمر يحتاج إلى نوع من الشجاعة والتخلص من هذه الهيبة المهيمنة على العقول، وأن يكون محصلة جهود سنين وتعاون بين عدة أشخاص.. وأن نهتم بترجمة الأعمال العلمية إلى الإنجليزية مثلا أو الفرنسية؛ فإدوارد معتبر في الأكاديمية الأمريكية؛ لأنه نشر بالإنجليزية.
ويضيف شفيق أنه لو كتب نفس الكتاب أستاذ في عالمنا العربي باللغة العربية لما اهتم به، وما كانت له نفس الهيبة؛ فلا مناص -في تصور منير- من تشجيع الأساتذة والطلبة على خوض غمار هذه التجارب العلمية والدخول إلى عالم الإبداع وليس فقط التقليد؛ إذ طريقنا للدخول في الحداثة يتم من خلال نقدها..
ويؤكد منير على هذه الفكرة قائلا: الذي يريد أن يدخل في الحداثة لا يمكن أن يدخلها مسيطرا عليه مقلدا ضائعا، وإنما يجب أن يدخلها ندا ناقدا مقدما جهدا حقيقيا، وهذا الجهد حتى يكون له تأثيره يجب أن يتمتع بدرجة من القوة والسطوة العلمية، وهذا يتطلب المشاركة والدعم والتكامل.
ولم يفت منير أن يشير إلى ضرورة استعمال الوقف في ترجمة ونشر أعمال علمية ذات قيمة فعلية تقرأ وتقدم على مستوى لغات أخرى، وإلى لغات لمخاطبة شعوب العالم الثالث؛ لأن مثقفيها يدخلون إلى الثقافة من خلال هذه اللغات. وإذا كنا نتحدث عن إبداع معرفي فلا بد أن نهيئ له أسبابا اجتماعية من المجتمع تكون مستقلة.
حضارة اللامعنى