ومن بين ما يحفزنا على الإسراع في إنجاز ما سبق وجود أرضية ناضجة على المستوى العالمي؛ إذ هناك حراك في أمريكا اللاتينية وفي الغرب.. ومناقشة لما يجري في هذه الحضارة التي ستوصلنا إلى اعتبار أن أهم قيمة هي"اللامعنى"؛ وحتى العلوم والتقنيات التي تجري في هذه الحداثة -كما يذكر الأستاذ منير في تحليله- تسير بلا هدف وبلا غاية محددة؛ فالذي لعب دور العمود الفقري في التطور العلمي والتقني والصناعي في الغرب كان المؤسسة العسكرية وبرعاية البنتاجون..
ومن الأمثلة التي ذكرها منير الهاتفُ الجوال الذي كان موجودا عند الجيش قبل عشرين سنة، وظروف الحرب الباردة كانت تمنع خروجه.. وأيضا بالنسبة للكمبيوتر والإنترنت.. كل هذه التقنيات ذات الاتصالات العجيبة، يقول منير: لا تنزل إلى عالم الاستهلاك والإنتاج المدني إلا بعد أن تكون قد تقادمت 10 سنوات لبديل آخر موجود!! وفي هذا الإطار يتساءل الأستاذ منير: كيف يستقيم أنه حتى في مجال التطور التقني والعلمي وتطور الأدوية ألا يكون هدفها الإنسان والغالبية الساحقة من شعوب العالم، وألا يكون هدفها الحفاظ على الطبيعة ومستقبل أولادنا؟!
لا يجوز أن يبقى فقط الهدف هو السيطرة والقوة العسكرية، والوصول إلى الصاروخ والطائرة والقنبلة الذرية والقنابل الجرثومية... هل يجب أن يكون الهدف السرعة الهائلة لاكتساح الآخر، وألا نضع لاتجاه تطور العلوم والتقنيات أهدافا أخرى أكثر إنسانية.
ولم يفت الأستاذ منير شفيق أن يرد في المناقشة على الذي يعتقدون بأن الغرب حقق التقدم بفضل تخليه عن الدين وانخراطه في التقدم العلمي.. وبين الأستاذ أن العلمانية الفرنسية ربما حاولت أن تقيم سدا منيعا بين الدين والحداثة أو التقدم، ولكن في الثقافة الأنجلوساكسونية لا نلاحظ مثل هذا التصور للدين، ولا أحد يقول عن بوش وتياره الراجع بصورة مشوهة للتوراة أنه خارج عن الحداثة!!
الانفصال عن الواقع
ويعتقد منير أن النقاش الفكري ومناقشة القضايا من الزاوية الفلسفية والمفاهيمية والفكرية يبتعد كثيرا عن مناقشة واقع العالم المعطى، وكأننا خارج المعارك الحقيقية الدائرة، سواء على المستوى الدولي بين الدول الكبرى في داخل ما يسمى بالحضارة الغربية أو على المستوى العالمي..
وعن الذين يقولون إن الغرب تقدم بسبب العقل العلمي والتخلص من الأساطير والتحرر من الماضي، وفصل الدين عن الدولة.. رأى منير أن هذا لم يكن السبب الرئيسي وراء تقدم الغرب.. ويقول منير شفيق بأنه ليس من المدرسة التي لا تقرأ المفاهيم والأفكار عبر التاريخ وعبر الوقائع والإستراتيجيات الدولية. فالذي حرك الفكر الذهني عند الغرب، وجعله يتخلص سواء من الحكم المطلق أو من نفوذ الكنيسة كان انفتاح الآفاق على الغرب للتوسع، وحاجة الأسطول لفتح العالم من جديد. ويدعونا منير إلى ملاحظة أن كل ما حدث من نهضة وتطورات فكرية تم بعد"اكتشاف أمريكا"، وبعد"اكتشاف رأس الرجاء الصالح"، وبعد تدفق الثروات الضخمة على أوربا في ذلك الوقت!
والذين يقولون: كيف يمكن أن يكتشفوا كل ذلك إذا لم يكن عندهم تطور علمي؟! يقول لهم شفيق: هذا التطور العلمي الذي قاد كولومبوس كان معتمدا على تطور العلوم البحرية عند العرب والمسلمين، حتى إن ماجلان لما كان في اكتشافاته كان هناك بحارة لعبوا دورا أساسيا في قيادة السفن في ذلك الوقت... وعندما بدأت الثروات تتراكم، وبدأ الأسطول يلعب دورا أساسيا في التوسع وفي مراكمة هذه الثروة أصبحت هناك ضرورات لتطوير العلم والوضع الاقتصادي والوضع السياسي. ولم يكتفِ منير بتقرير هذه المسألة، بل ذكر أن الديمقراطية هي نتاج هذه العملية التاريخية.
إن الذين يقولون: إن الغرب تقدم لأنه فصل بين الدين والدولة، هم يريدون فقط -يقول منير- أن يبعدوا موضوع الإسلام، والرؤية الإسلامية لموضوع الدولة.. ويضيف: إذا جاءت دول وفصلت بين الدين والدولة فلا تظنوا أنها ستتقدم، ولا أنها ستخترع الذرة، وستكون لها أساطيل، وسوف تستطيع أن تتحدى!
وبيّن الأستاذ أنه في كثير من بلدان العالم الثالث فصلت عمليا بين الدين والدولة، ولم تتقدم بالمعنى العلمي والقوة العسكرية كما حدث في الغرب!!