فهرس الكتاب

الصفحة 8446 من 27364

تلزم إستراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة بتطبيق مبدأ الاستباقية، ولكن تحت ظروف محددة للغاية، أي أن الإستراتيجية لا تعرّف بأنها"استباقية". وفوق كل هذا، فإن إستراتيجية الرئيس بوش ما هي إلا واحدة من إستراتيجيات الشراكة، الساعية لتأكيد الدور الحيوي للناتو وباقي حلفاء الولايات المتحدة بما فيهم الأمم المتحدة. وعليه، يمكن اعتبار"الشراكة"هي شعار إستراتيجية الولايات المتحدة، لأن الشراكة لا تعني التميز عن الآخرين، بل تعني العمل معهم. ومن خلال ذلك، يسعى الرئيس بوش إلى عمل شراكات جديدة، قادرة على مواجهة تحديات بعضها عالمي المنظور، كالشراكة لمكافحة مرض الإيدز، وبعضها إقليمي كمبادرة شراكة الشرق الأوسط؛ والتي تقدم مساعدات من أجل الإصلاح السياسي والاقتصادي والتعليمي في العالم العربي. وتنبني إستراتيجية الرئيس بوش على الترويج للحرية والكرامة عبر العالم كله، وبالطبع نحن نؤيد هذه القيم دائماً وأبداً.

وتحتل مبادرتا"حرية التجارة"و"المبادرة الأمريكية للتنمية الاقتصادية"مكاناً بارزاً داخل إستراتيجية الرئيس بوش، كما تمثل جهود أسلحة الدمار الشامل جزءاً من هذه الإستراتيجية. وتطالب إستراتيجية بوش بلعب دور أكبر في حل الصراعات الإقليمية، تلك الصراعات التي لا تنطوي فقط على تعذيب شعوبها، بل تمتد لتأجيج الصراعات داخل مجتمعات أخرى آمنة، بما يشعل في النهاية فتيل الإرهاب. وهنا يعد دور الولايات المتحدة في حل الصراعات الإقليمية أكثر أهمية من جمع الفلسطينيين والإسرائيليين على مائدة السلام؛ ولا يعنى هذا التخلي عن الصراع في الشرق الأوسط، بقدر ما يعني تغيير وسائل الدبلوماسية الأمريكية في حل الصراع؛ والتي تمثلت في عقد الشراكة الرباعية (الولايات المتحدة، الاتحاد الأوربي، روسيا، والأمم المتحدة) .

والأهم من ذلك هو تأكيد الإدارة الأمريكية على ضرورة إجراء إصلاحات جوهرية داخل السلطة الفلسطينية إذا أراد الفلسطينيون تحقيق السلام. وبعد أن بدا واضحاً أن الولايات المتحدة لن تعيق الجهود الإسرائيلية للدفاع عن نفسها ضد الإرهاب الفلسطيني، زادت الأصوات المنادية بالإصلاح داخل المجتمع الفلسطيني، مما أوجد محمود عباس أبو مازن على الساحة، إلا أن جهوده -ومع الأسف- قد أجهضت على يد الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، والذي ما زال يعيق جهود خلفه أحمد قريع. ولا يبدو الرئيس عرفات متحمساً للسلام بل عائقاً له. وعلى الرغم من إخفاق المحاولات الأمريكية، فإنه قد بدا جلياً للجميع أين يكمن أصل المشكلة.

وقد استرعت الصراعات الإقليمية الأخرى انتباه الولايات المتحدة بنفس قدر الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، كمعاناة الشعب اللبناني، أزمة السودان، والوضع في جمهورية الكونغو الديمقراطية. ولم تنس أمريكا البلقان، شمال أيرلندا، وتيمور الشرقية. فنحن نعمل على إحراز التقدم في معظم -إن لم يكن كل- هذه المناطق، وذلك بتدعيم ومشاركة الحكومات الساعية للسلام.

حان وقت التعاون.. لنرحم التاريخ

تعد أهمية تنمية علاقات التعاون بين قوى العالم الكبرى مفتاح نجاح إستراتيجية الولايات المتحدة ضد الحرب على الإرهاب؛ صحيح نحن نقر بأن العالم كان وما زال يتغير، لكن المهم هو تحديد أسلوب تغييره. وأرى أن اللحظة الحاسمة، طوال السنوات القليلة الماضية، كانت لحظة هدم سور برلين في 9 نوفمبر 1989، والتي أعلنت نهاية الحرب الباردة، ونهاية الصراع بين الليبرالية والشمولية الذي شكّل أغلب ملامح القرن العشرين. ويرى الرئيس بوش أن المجتمع الدولي لديه اليوم أفضل الفرص -منذ صعود الدولة القومية في سبعينيات القرن الماضي- لبناء عالم تتنافس فيه القوى الكبرى، لتحقيق السلام بدلاً من الإعداد للحرب.

إن التنافس لبسط النفوذ وامتلاك المواد الخام لم يحقق السلام، بقدر ما يمكن أن يحققه استثمار القوى البشرية، الثقة الاجتماعية، والتعاون بين الدول. ويجب ألا تكون مصادر القوى والأمن لدولة ما مصادر تهديد للدول الأخرى. بل إنه لو سارت كل القوى اليوم -بدلاً من إزهاق الأرواح والثروات بمعاداة بعضها البعض- في اتجاه واحد لحل المشاكل المشتركة، فسنرحم التاريخ من كثير من الحماقة البشرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت