إن واحداً من المشاكل الشهيرة هو -بالطبع- الإرهاب، وتسعى الإستراتيجية الأمريكية لحل هذه المشكلة من خلال التكامل؛ وتبدو منطقية هذا الاقتراب في حقيقة أن الإرهاب يهدد النظام العالمي نفسه؛ ومن ثم يخلق مصلحة مشتركة بين كل القوى التي تقدر قيم السلام، الرفاهية، ودور القانون. فقد قضى العالم المتقدم آلاف السنين في محاولة للحد من ويلات الحروب، بتحديد الفرق بين المدنيين والعسكريين، الأمر الذي يحاول الإرهاب محوه الآن، إلا أننا لن نسمح باستمراره في هذا، ليس لأننا نريد أن نجعل العالم آمناً من الحروب، ولكن لأن علينا طمأنة الشعوب بأن العالم لم يستبدل أخطار الحاضر بأخطار الماضي. ويعد الصالح العام لكل القوى الكبرى، هو محاربة الإرهاب، وهي الفرصة التي تقدمها الولايات المتحدة الآن من خلال إستراتيجيتها؛ وبالطبع يجب أن تكون البداية من الجانب الأمريكي، ثم الأصدقاء، وعلى رأسهم الناتو.
وقد تنبأ بعض المراقبين بانهيار الناتو بعد الحرب الباردة؛ وتنبأ آخرون بتصادمات وتعارضات بين شقيه الأمريكي والأوربي، إلا أن كلا التنبؤين لم يصدقا؛ فقد استمر الناتو بل واتسعت عضويته ومهامه. صحيح أنه حدثت بعض الاختلافات، إلا أنها اختلافات بين الأصدقاء؛ فالعلاقة عبر الأطلانطية مبنية على المصالح المشتركة، والقيم التي تتخطى اختلاف الأشخاص والأحداث. فأوربا الحديثة والقديمة ما تزال أعز الأصدقاء؛ ولهذا يستمر حديث الرئيس بوش عن الشراكة مع أوربا وليس الاستقطاب. ونحن لا نوافق على ما يدعيه البعض حول ضرورة التعددية القطبية، ليس لأننا لا نهتم بالتنافسية والاختلاف، بل لأنه لا أقطاب بين أفراد الأسرة الواحدة؛ ونحن نؤمن بضرورة الحديث حول التغلب على الاختلافات بدلاً من الاستقطاب.
معانقة القوى الكبرى
نحن نبذل قصارى جهدنا لتحقيق علاقات أفضل مع كل الأمم، صغيرها وكبيرها، حديثها وقديمها، إلا أنه ولأسباب عملية، نهتم أكثر بالعلاقات مع القوى الكبرى، خاصة هؤلاء الذين كانت تجمعنا بهم خلافات في الماضي كروسيا والهند والصين.
وقد تحولت علاقتنا مع روسيا على نحو واضح منذ نوفمبر 1989؛ هذا بفضل جهود الرئيسين بوش وبوتين، وبعد أن أبدت روسيا اهتمامها بمحاربة الإرهاب، والقضاء على الانتشار العالمي لأسلحة الدمار الشامل. كما توسعت العلاقات الاقتصادية، ونحن في انتظار المزيد في المستقبل. وربما تعارضت أيدلوجيات البلدين يوما ما، إلا أن روسيا اليوم أصبحت أكثر ديمقراطية؛ وعلينا أن نتحلى بالصبر، حتى تتمكن روسيا من تنمية مؤسساتها الديمقراطية، والقضاء على الفساد المتجذر للحقبة السوفيتية. صحيح أننا لا نتفق معها في كل شيء -بعد أن اتخذت روسيا موقفاً معارضاً للولايات المتحدة في حربها ضد العراق- إلا أننا نأمل أن تغير روسيا من سلوكها تجاه البرنامج النووي الإيراني؛ وكذا المسألة الشيشانية.
وبينما تستمر روسيا في تحقيق الديمقراطية، تعود ديمقراطية الهند إلى تاريخ استقلالها في 1947؛ هذا مع إجراء بعض الإصلاحات الاقتصادية، بما يجعلها بحق سوقا اقتصادية ناضجة. وعلى الرغم من ذلك، فإن الهند ما تزال تعاني من بعض التحديات، كالأمية والفقر والانحلال البيئي. وما نريده هو مساعدة الهند للتغلب على هذه التحديات. وبناء عليه، عملنا على توثيق علاقتنا مع الهند؛ وفي نفس الوقت أصبحنا قادرين على تعزيز علاقتنا مع باكستان، في الوقت الذي ما زال فيه الصراع دائراً بينهما حول إقليم كشمير. وخلال عام 2002 بدت الحرب بينهما -وربما باستخدام الأسلحة النووية- وشيكة. وبالتعاون مع شركائنا الأوربيين والآسيويين، يمكن إنهاء تلك الأزمة. وتحاول الولايات المتحدة تحقيق ذلك بأن تصبح الضلع الثالث في مثلث حل الصراع الهندي الباكستاني. ليس معنى ذلك أن تقحم الولايات المتحدة نفسها كوسيط لحل الصراع، ولكنها تحاول استثمار ثقة كلا الطرفين لحل الصراع سلمياً.
وبالرغم مما شاب العلاقات الأمريكية الصينية من توتر في بداية حكم إدارة بوش، فإن العلاقة أضحت الآن الأفضل منذ عهد الرئيس ريتشارد نيكسون منذ أكثر من ثلاثين عاماً. وقد رحبت إستراتيجية الولايات المتحدة بدور عالمي أكثر قوة للصين. وبالرغم من عدم اتساق المصالح الأمريكية الصينية حول كوريا الشمالية تماماً، فإن كلا الطرفين لا يريد تنامياً نووياً في تلك المنطقة، ولا يتمنى بالتأكيد حرباً كورية أخرى. ومن ثم، عملت الصين والولايات المتحدة على توحيد مصالحهما، وتحويلها إلى تعاون بنّاء لمواجهة تحديات بيونج يانج؛ هذا بالتعاون مع اليابان وروسيا وكوريا الجنوبية في هذا الشأن. وبالرغم من أن الطريق ما يزال طويلاً في التعامل مع أخطار البرنامج النووي لكوريا الشمالية، فإن الرئيس بوش كان -وما زال يؤكد- على عدم اعتزام الولايات المتحدة شن الحرب على كوريا الشمالية؛ لأن الولايات المتحدة لا تريد إلا السلام والأمن.