عموماً الحقبة الصليبية لم تخضع في الغرب لتحليل موضوعي إلا لدى القليل من الباحثين الغربيين، والذين أصواتهم لا تصل أمام سيل الكتابات التي تجد جهات متعددة تعمل على نشرها، وهي إشكالية دوائر الاستشراق، وطبيعة الثقافة المهيمنة في الغرب، والتي لا تحاكم المراحل التاريخية الماضية بتجرد كاف، فلا تعمل على إخضاعها للعقل العام المحايد بعيداً عن دور المؤثرات المحيطة وخاصة فكرة مركزية أوروبا في التاريخ والعقل، ومناهج وأدوات التحليل المنفعلة بالتجربة التاريخية الأوروبية.
ولو كان ذلك يحدث لكانت هناك أصوات كثيرة مسموعة في الغرب تحول دون جنون الإمبراطوريات العائد من جديد، والفوضى الثقافية التي باتت تعم الغرب لتضعه في مواجهة مع الإسلام دون أن تكون لهذه المواجهة وهذه الحروب أية دواعٍ أو مبررات، فرؤية الماضي تخضع (لموقع الأنا) في الغرب شأنها شأن رؤية المستقبل، وبما أن مساحة (الأنا) في الغرب لا تحكمها معايير موضوعية فمن الطبيعي أن تكون رؤية الأحداث التاريخية مرتبطة بشكل أو بآخر بالمصلحة التي تحكم ظهور تلك الدراسات.
لقد أعيد تحليل الحملة الصليبية الرابعة مرات عديدة من قبل الكتاب الغربيين، لكن هذه الدراسات بقيت تراوح مكانها، ولم تعمل على جلاء الحقيقة كما يجب، فالذين انطلقوا من اعتبار أن الحملات الصليبية نشأت لأسباب اقتصادية بحتة؛ أسهبوا في الحديث عن الحملة الرابعة باعتبارها تجلت فيها المطامع الاقتصادية بسبب الخلافات بين البندقية والإمبراطورية الرومانية، ووجود عامل المنافسة بين ميناءي البندقية وميناء زارا المجري؛ في محاولة لاستبعاد العامل الديني من الصراع، وهو بدوره محاولة خفية لتبرئة البابا وتبرئة الكنيسة الكاثوليكية من تأجيج الصراع الديني الذي صنعته منذ كليرمون 1095م، كما ظهرت العديد من الدراسات في الغرب حاولت تقديم البابا بصورة الرافض لتلك الحملة مع أنه في واقع الحال كان الملهم لها، والمستفيد الأول منها.
أطماع.. وأطماع:
الصورة التاريخية التي جاءت عليها الحملة أن البابا «إنوسنت الثالث» في عام 1202 دعا إليها، وطلب توجيه الحملة إلى مصر، ومن ثم شن الحملة من هناك باتجاه القدس بغاية استردادها من المسلمين، إذ أدرك الصليبون أن القدس كانت قد غدت عنوان الأمة بأكملها، وبالتالي إن الضغط على مصر بحكم قوتها وقيادتها للأمة آنذاك سيخرجها من صف الأمة، وهو ما سيعمل على إضعاف الأمة الإسلامية بأكملها في حال وافقت مصر بترك دورها المدافع عن القدس، وهو ما تجلى فيما بعد في الحملة الخامسة.
وفي التفاصيل الداخلية للحملة أن ثمة مساومة حصلت بين الصليبيين وبين البندقية أفضت إلى تحويل سير الحملة نحو رأس الكنيسة الشرقية، لكن هذه التفاصيل التي أرادت تصوير الأمر وكأنه مغامرة تجارية - في محاولة لإسقاط العامل الديني من الحملة - إنما هي بعيدة عن الواقع، فالأوروبيون كانوا يتقاتلون طوال الفترة الماضية، وخاضوا العديد من الصراعات الدموية أثناء توجههم إلى بلاد المسلمين، فالتناقض بين ميناءين متنافسين هي مسألة طبيعية، ولكن من غير الطبيعي أن تكون الحملة بأكملها خرجت عن سير الكنيسة صاحبة السلطان القوي في تلك المرحلة، والتي لم يكن أحد من الملوك أو الأمراء يستطيع مخالفتها لأنها القادرة على معاقبة من يعارضها فيما يسمى الحرمان الكنسي الذي يعني حرق المخالف للكنيسة حياً، أو إلغاءه معنوياً.
ناهيك عن أن الحملة كانت قد خرجت للتو من جوار ما يسمى الكرسي الرسولي، فالمسافة الفاصلة بين البندقية ومكان إقامة البابا ليست ببعيدة، وهو ما حاول التضليل عليه بعض الباحثين اليوم، الذين يريدون التخفيف من وطأة تلك الحوادث بغاية استقطاب الأرثوذكس من خلال القول: أن البابا لم يكن راضياً عن سير الحملة تلك، وهو رأي لا يتوافق مطلقاً مع طبيعة البابوية وسطوتها، وقوة نفوذها في تلك الآونة.
البحث عن بوابة للمنطقة:
كان خط سير الحملة باتجاه القسطنطينية من الناحية العسكرية والسياسية بالنسبة للبابوية صحيحاً، ولم يكن هناك ثمة لبس في خط سير الجنود، فالبابوية كانت بحالة عداء مع الكنيسة الشرقية منذ انقسامها بشكل نهائي في عام « 1054 م» ، وكان يرضي غرور البابا احتلال القسطنطينية لأنه سيعمل على إلغاء الكنيسة الأرثوذكسية لصالح الكنيسة الكاثوليكية، وسيمنح البابا الفرصة ليصبح رجل المسيحية الأوحد، وكان البابا يجد مبرراً دينياً لخوض هذه الحرب، لأن الكنيسة الشرقية وفق نظرة البابا كانت هرطقة، وزوالها أو إضعافها هو جزء من فكرة الحرب العادلة التي أطلقتها الكنيسة منذ عهد أوغسطين.