البابوية التي هزمها المسلمون في القدس تريد موطئ قدم على المياه الدافئة التي يتم تجميع المحاربين قربها، بعد تنامي قوة المسلمين البحرية، واستعادة دورهم في خوض الحروب البحرية، وبعد غرق الآلاف من الجنود ومعهم إمبراطورهم الألماني في الحملة السابقة، وتبقى مشكلة البر غير المتصل بين أوروبا والديار الإسلامية، وضرورة وصله، وهو ما استدعى ضم القسطنطينية إلى الغرب كجغرافيا تربط أوروبا بالشرق، فقد اكتشفت الكنيسة الغربية ومنذ الحملة الأولى أن القسطنطينية هي بوابة العبور الوحيدة البرية للمنطقة، وكان إمبراطور القسطنطينية رغم تحالفه مع الصليبيين حذراً للغاية، وخائفاً منهم؛ فقد قيدهم بالمواثيق والعهود، ولكنه على الرغم من ذلك سمح بدخول الأمراء إلى القسطنطينية دون الجنود لأنه كان يخشى أن ينقلبوا عليه في أية لحظة.
ومع سقوط القسطنطينية بيد اللاتين انتهت أسطورة الإمبراطورية الرومانية، ودخل العالم مسرحاً جديداً من الحروب والسجال بين الغرب والشرق، فعندما رأت الكنيسة دفء الشرق شعرت بالراحة والطمأنينة، وإن كان البحر لا يزال مهماً في الحملات الصليبية القادمة، إلا أن أمراً مهماً قد حدث؛ فقد اكتشفت البابوية أنها أولاً وأخيراً عزلت الشعوب الغربية عن الإسلام، وأنها طوقت العالم الإسلامي من الشمال، وبات إرسال حملة بحرية إلى مصر سيشكل إرباكاً كبيراً بالنسبة للمسلمين لأن جيوشهم ستنقسم إلى قسمين: قسم سيذهب إلى الشمال خشية دخول الصليبيين من البر، وقسم سيبقى في مصر من أجل حماية ديار المسلمين من البحر، وعندما تكون الدولة الإسلامية ممزقة فمن السهل التلاعب بالمسلمين، وهو ما سهّل عودة الصليبيين لاحتلال القدس فيما بعد، وكان انقسام المسلمين، وتوزيع جيشهم بين الأمراء من أهم الأسباب التي أدت إلى ذلك.
فسقوط القسطنطينية أحدث معركة جديدة في أوروبا، فهدأت الحرب بين المسلمين والصليبيين لسنوات ريثما ينهي البابا «إنوسنت الثالث» معاركه داخل أوروبا، وبعد سقوط القسطنطينية بيد البابوية؛ شغل البابا نفسه في الصراع الإنجليزي الفرنسي، والصراع بين الإقطاعيين في ألمانيا ومنطقة البلطيق، أضف إلى ذلك الحرب جنوبي فرنسا ضد الالبيجية الذين كانت تراهم الكنيسة مهرطقين ما بين أعوام 1209 - 1212م، وهو ما رأى فيه العديد من الباحثين الغربيين دليلاً على ظهور المصالح الدنيوية، وبدء أفول الجانب الروحي، لكن الحقيقة أن المصالح الدنيوية هي في صميم البابوية التي نصبت نفسها ناطقة باسم المسيحية، وجيرت حركة الغرب بمجمله لتحقيق المصالح الدنيوية لها تحت المظلة الدينية.
وهكذا هدأ الغرب قليلاً بانتظار معركة جديدة، وحملة جديدة يتم توجيهها صوب الديار الإسلامية ريثما يعيد البابا ترتيب البيت الأوروبي من جديد.
الصهيونية على ذات الخطى:
البابوية أرادت أن تكون ناطقة باسم العالم المسيحي وقائدة له، والصهيونية التي جاءت من بعدها أرادت أيضاً أن تكون ناطقة باسم اليهود في العالم، وقد سارت في العديد من خطواتها على ذات الطريق، فقد تحالفت الصهيونية مع هتلر، وساهمت في ترويع اليهود الشرقيين بغاية دفعهم للهجرة إلى الغرب؛ حتى يتم سوقهم إلى فلسطين، ومن ثم اخترعت أسطورة المحرقة، وأخذت تبكي عليهم، وهي أشياء لم تحدث بتلك الشاكلة في التاريخ مطلقاً.
والصهيونية اليوم كما بالأمس تنصّب نفسها ناطقة باسم اليهود في العالم، وتبذل قصارى جهدها بغاية جمعهم في فلسطين من أجل استمرار رفد مشروعها الاستعماري، وهي إنما تعبر بشكل واضح عن الوجه اليهودي، وعما هو موجود في التوراة المتاحة بين أيدينا، والتي تعرضت مراراً وتكراراً للتغيير.
ويبقى الصراع في فلسطين اليوم يحمل طابعاً دينياً محدِّداً لكافة العوامل الأخرى المتباينة الأهمية والمفاعيل، رغم كل الصور التي حاول البعض تصوير الكيان الصهيوني فيها من خلال القول بوجود علمانيين أهدافهم اقتصادية لا غير، وهذا الأمر كان قد قيل في الحملة الصليبية الرابعة؛ دون إدراك كاف لطبيعتها بكونها حملة شاملة، حركتها أيدي الجميع بتفاوت رغبات دينية جارفة، وأسهمت فيها مطامع دنيوية مؤثرة بأن السلطة الزمنية أي الأمراء وقادة الجيش هي التي كانت صاحبة المصلحة في الحملة، وهو ما يقال اليوم بصورة معاكسة من أن الحاخامات هم أصحاب المشروع التوراتي العدواني التوسعي، وبالتالي إن مد اليد للعلمانيين الصهاينة، ومحاورتهم؛ سيضعف قوة الكيان وعدوانيته على اعتبار أن القوى العلمانية المفترضة تحمل آفاقاً مختلفة عما يطرحه المتدينون الصهاينة من الرغبة بإزاحة الإسلام كلياً عن المنطقة، وفي هذه الرؤية تجاهل تام لطبيعة النسيج المعقد الذي يحكم تكوينات اليهود في التاريخ والعالم، وفيه تجاهل للدور المركزي المقرر للعلمانية اليهودية بكافة أطيافها - وخاصة اليسارية - في إقامة الكيان الصهيوني على أرض فلسطين، والأدوار المتباينة التي تتخذها مركبات المشروع الصهيوني.