فهرس الكتاب

الصفحة 5231 من 27364

إن المتتبع للخطاب اليساري العربي وبخاصة في النصف الثاني من عقد الثمانينيات، يجد أن هذا الخطاب يقع في إطار يهدف إلى إدانة الحركات الإسلامية المعاصرة، ووصفها بالانحطاط والشكلية والجمود، والرجعية، والوعي الزائف، فالأستاذ محمود العالم يرى:

"إن خطابهم يتسم بشكل عام بالجمود والتسطح والشكلية، بل والسذاجة أحياناً إنه رفض انفعالي للواقع، وأنه لا يوجد في بلادنا معارضة دينية مستنيرة، واعية بحقائق مجتمعنا وعصرنا وملتزمة بهموم شعبنا".

ويذهب سمير أمين في هذا الاتجاه:"إن سيد قطب يكاد يكون المنتج الأيديولوجي الوحيد للإخوان المسلمين، وأنه المرجع لكل الحجج التي تستقي منها السلفية في عهدنا، ولم يزد أحد المفكرين -مفكري السلفية- شيئا على ما قدمه قطب".

ويحتدم الجدل في الخطاب العربي الإسلامي حول إشكالية الدين والدولة، وتكثر التساؤلات إزاء تاريخ بعيد للدولة وللعقل السياسي العربي، من التاريخ الأموي والعباسي، الذي تحولت فيه الخلافة إلى مُلك، وغياب الشهادة المعاصرة للدولة الإسلامية هو الذي فسح المجال للتأويلات العديدة.

ويجد كل من هشام جعيط وعبد الله العروي أن هذه المقولة (الإسلام دين ودولة) بدأت مع الغزو الاستعماري للمنطقة العربية في أوائل القرن الثامن عشر، فقد لاحظ الفقهاء في ظل الدولة الإسلامية انفصال الشرع والعدل عن العمران، في حين إن التجربة الأوروبية التي باتت نموذجاً يحتذى هي شاهد على ارتباط العدل بالعمران، فتنادوا إلى القول بضرورة الربط بين التقدم والعدل الذي لا يتحقق إلا بالشرع لأن العدل بالشرع، والعدل

يعني تقييد الحاكم بقواعد الشرع، وقد كان"العروي"على وعي بمأزق الدولة القائمة في الوطن العربي.

وأما برهان غليون في كتابه"الدولة والدين"فقد لاحظ أن الضغوط والطلبات تزداد على الفكرة الإسلامية من قبل الشارع، ومن قبل الدولة نفسها في بعض الأحيان، في حين شهدت الفكرة القومية العلمانية تراجعاً كبيراً على المستوى النفسي والعقدي، والسياسي، فأصبحت الوطنية تبحث عن مصدر نموها وإلهامها في الفكرة الدينية، وتأكدت بذلك القطيعة التقليدية المتزايدة بين الفريقين، يعتقد الأول أن بناء الدولة لن يستقيم إلا إذا أُخذ بما يظن أنه نظرية الدولة الحديثة بامتياز، أي فلسفة العلمانية كدين للدولة، ويؤمن الثاني بأن العرب والمسلمين لن يتمكنوا من الخلاص وتحقيق الأمن والاستقرار والسعادة الأرضية والأخروية إلا إذا نجحوا في إعادة بناء الدولة العربية على الأسس التي قامت عليها دولة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم .

ويرى غليون بأن الإسلام"لم يفكر بالدولة، ولا كانت قضية إقامة الدولة من مشاغله، وإلا لما كان ديناً، ولما نجح في تكوين الدولة، لكن الدولة كانت أحد منتجاته الجانبية والحتمية"فالدين هو روح الدولة التي تصبح بدورها جسد الدين وسلاحه وذراعه، والدولة الإسلامية م تكن بحال دولة الله، بل دولة المسلمين بما هم كائنات بشرية قابلة للخطأ والصواب"."

وقام رضوان السيد (وهو أستاذ جامعي درس في الأزهر وفي ألمانيا) بتحقيق وتقديم أهم المؤلفات الكلاسيكية للفقهاء المسلمين في مجال الدين والدولة، من الماوردي إلى الطرطوشي، وهناك تأكيد على أن الكلاسيكيين كانوا أكثر حصانة وشجاعة في قراءتهم لإشكالية الدين والدولة، وأنهم يسبقون الكتابات الأيدلوجية المعاصرة التي تذكيها خطابات الإسلام السياسي أو تلك التي يذكيها مثقفون عرب علمانيون معاصرون، والتي تكشف عن عمق الهوة وعن مدى المأزق الذي يوجه مسيرة الفكر العربي المعاصر في قراءته المؤدلجة للماضي والحاضر والمستقبل، والتي تنحدر علينا من كل حدب وصوب، المأزق الذي يكشف عجز الخطاب العربي، وعلى مدى قرن كامل من إنتاج خطاب عقلاني في هذا المقام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت