ساد الفكر الاشتراكي في المنطقة العربية في النصف الثاني من القرن العشرين، وعزّز الموقف الثاني في معاداة الدين، واعتبر الدين الإسلامي الأصل في التخلّف؛ لأنه يخدّر الطبقات الفقيرة ويبعدها عن وعي واقعها بترويج الأوهام الغيبية من جنة ونار وملكوت أخروي، واعتبر أنّ طبقة رجال الدين منحازة إلى الأغنياء و الملاّك، وأنّ الفكر الديني مناقض للفكر العلمي الخ... لذلك دعا إلى استئصال الدين الإسلامي من وعي الناس وحياتهم، وكانت تلك الدعوة ذروة الامتداد للتيار الثاني.
فماذا كانت نتيجة المزاوجة بين التيارين: القومي والاشتراكي؟
وماذا كانت نتيجة الدعوات إلى استئصال الدين الإسلامي من كيان المجتمع؟
كانت النتيجة إخفاق هذين التيارين وانبثاق الصحوة الإسلامية في السبعينيات، والمناداة بتمكين الإسلام في حياة الناس، وبرزت عدّة مظاهر إسلامية منها: العودة إلى الحجاب، وازدحام المساجد بالمصلّين، وانبثاق ظاهرة البنوك الإسلامية، ورواج الكتاب الإسلامي، وسيطرة الإسلاميين على بعض الاتحادات الطلابية والمهنية والنقابية، وفوز الإسلاميين بنسبة جيدة من المقاعد البرلمانية في بعض الدول العربية...الخ.
لكننا نرى بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م انبعاثاً جديداً لمقولات الموقف الثاني، ومن الدين الإسلامي، وحياة جديدة لها، لكنها أضافت لها مقولات أخرى من مثل أنّ الدين الإسلامي هو سبب الإرهاب، وأنه مضاد للتحديث، وأنه يناقض الديمقراطية، وأنّ المجتمعات الإسلامية هي المجتمعات الوحيدة التي لم تتقبّل الحداثة الغربية، وأنها القلعة الوحيدة المتبقّية في العالم والممتنعة عن بركات الحضارة الغربية، وأبرز من طرح تلك المقولات الكاتب الأمريكي (برناردلويس) في عدد من الكتب التي ألّفها حول المنطقة العربية والإسلامية بعد أحداث 11 سبتمبر، وكذلك (فرانسوا فوكويوما) الذي دعا في مقال كتبه في (نيوزويك) إلى فرض العلمانية على العالمين: العربي والإسلامي من أجل إنهاء بؤر التعصّب التي يحفل بها الواقع الإسلامي، والتي فرّخت الإرهاب العالمي.
ترافق نداء الكاتبين السابقين: (برنارد لويس) و (فرانسوا فوكويوما) مع سيل من الكتابات العربية تؤيّد ما قاله الكاتبان الغربيان، وتدعو إلى تجفيف المنابع، وتعديل المناهج، ومراقبة أجهزة الإعلام، وغربلة كتب التاريخ، وتجديد الدين الخ...
فهل ستقوم نهضة في القرن الحادي والعشرين مع استبعاد الدين وعزله؟
أم أنها ستخفق كما أخفقت سابقتها في القرن العشرين؟
لا نريد أن نستبق الوقائع والأحداث، ونصدر أحكاماً عليها، لكننا ندعو فقط إلى الاستفادة من التجربة السابقة التي امتدّت طوال القرن العشرين وانتهت إلى الإخفاق، وكلّفت الأمّة الكثير من الجهود والأوقات والأموال والدماء والعناء والآلام...