المجالات الثقافية المختلفة من المنظور الحداثي تتمايز ويستقل بعضها عن بعض استقلالًا تامًا؛ بحيث ينفصل كل مجال عن غيره، ويضع لنفسه معاييره حسب طبيعته ذاتها، وليس من أي شيء خارجها؛ بحيث يكون هناك تمايز واضح بين الثقافة العلمانية والثقافة الدينية. وهذا يعني أنه لا ارتباط بين الدين من ناحية، والتعليم أو الفن أو السياسة أو الاقتصاد من ناحية أخرى، فلا يستطيع الدين أن يفرض معاييره على الفن أو السياسة أو الاقتصاد. وتؤكد الحداثة هنا على الأخلاق بصفة خاصة، وترى أنه لا يجب أن تستند إلى الدين وألا بفرض الدين معاييره عليها؛ لأنها من المنظور الحداثي تقوم على قوانين الطبيعة أو العقل.
ومن ناحية أخرى تعرِّف «الموسوعة البريطانية» الحداثة بأنها: حركة ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين، تدعو إلى إعادة تفسير التعاليم الكاثوليكية التقليدية في ضوء النظريات التاريخية والفلسفية والنفسية، وتدعو إلى حرية الضمير، وترى أن العهدين القديم والجديد مقيدان بزمانهما، وأن هناك تطورًا في تاريخ الديانة الإنجيلية. تبنّى المثقفون العرب هذا المفهوم للحداثة، واعترف بعضهم بعدم فصل الحداثة العربية عن الحداثة الغربية، ونظروا إلى الحداثة على أنها وحدة متجانسة مشعة عالميًا من الغرب، ولهذا حاولوا إسقاط الفهم الغربي للحداثة على الإسلام والقرآن؛ فقاموا بتفسير الإسلام في ضوء النظريات التاريخية والفلسفية والاجتماعية التي تقوم أصلًا على أساس إلحادي فوقي للدين، كما نظروا إلى الإسلام والقرآن على أنهما مقيدان بفترة تاريخية معينة لا تمتد إلى غيرها، وقام العديد منهم بإحداث ما يُسَمّىه بـ «الإصلاح والتجديد» في الإسلام وفق هذه النظريات، مطلِقًا لنفسه حرية التفسير دون أدنى التزام بأي ثوابت عقدية. وتعبر «الموسوعة الأمريكية» عن هذا الموقف العدائي للحداثة من الدين بصورة أشد وضوحًا فتقول: «إن الحداثة نظرة تقوم على الاقتناع بأن العلم والتقدم العلمي الحديث يتطلب إعادة تقويم أساسي للعقائد التقليدية» ، ومن ثم لا ينظر إلى الدين على أنه صياغة دقيقة لسلطة جديرة باعتماد وقبول الحقائق المنزلة من الله، وإنما ينظر إليه على أنه مقولات لمشاعر وخبرات دينية عاشها بعض الرجال عبر حقبة تاريخية معينة، وعلى هذا الأساس تكون الحقائق الدينية عرضة لعملية تطوير مستمر كجزء من الخبرة المتقدمة للجنس البشري. وتستلزم هذه العملية إدخال مفاهيم عديدة وجديدة كشيء ضروري للتعبير عن الفكر والتقدم الحديث؛ فالوحي مثلًا في مفهوم الحداثة مجرد خبرة حسية لمجموعة حقائق عن الله أكثر منها موضع اتصال لحقيقة شاملة من الله. أما موسوعة «نيو كولومبيا» فهي ترى أن الله ـ - تعالى -ـ في «مفهوم الحداثة» ليس فوق الوجود المادي. ويقرّ (جون ديوي) في «الموسوعة الأكاديمية الأمريكية» بأن مصطلح «الحداثة» في العصر الحديث استخدم لنقد الدين بصفة عامة. وبمعنى آخر: تميل إلى الفرار مما يسمى «بالدوجما» ، وتفتح المجال للعقل للتمحيص والوصول إلى اليقين. كما تنطوي الحداثة على فكرة «نسبية المعرفة» ، وترفض النظرة التي ترى أن العلم يقوم على أساس صلب من الحقائق المتيقنة التي يمكن للحواس ملاحظتها.
ومن أبرز المثقفين العرب الأحياء الذين تبنوا هذه النظرة للحداثة (حسن حنفي) أستاذ الفلسفة الإسلامية. انعكس هذا التأثير على العديد من الأفكار التي تُخرج من يعتقدها ـ وهو يعلم ويقصد ـ من دائرة الإسلام. دعا «حنفي» إلى إخضاع القرآن للنقد وللمنهج النقدي مثلما فعل (أسبينوزا) مع التوراة والإنجيل، ورفض تفسير قوله ـ - تعالى: {إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] بأنه حفظ للنص، معلقًا بأن هذا التفسير «نظرة لاهوتية صرفة تهرب من النقد، وتلجأ إلى السلطة الإلهية» . الله عند (حسن حنفي) وظيفة وليس ربًا، الله هو التقدم، والصلاة والصيام ليست عبادات معقولة، الإيمان التقليدي بالله وملائكته وكتبه ورسله هو إيمان ميت، الإيمان الحقيقي عنده هو الإيمان بالتقدم ومصلحة الشعوب. «الدين» عند (حنفي) هو العمل وليس الاعتقاد، الشك في العقيدة ليس بخطيئة؛ لأن الدين في رأيه مرض نفسي، واهتزاز شعوري، وارتجاج في المخ، وهوس واضطراب، ولهذا يجب تحويله إلى إيديولوجية (1) .
ويرى (محمد الحارثي) في تحليله الدقيق لتأثير الحداثة الغربية على الخطاب الحداثي العربي، أن (طه حسين) هو المؤسس الحقيقي للخطاب الحداثي العربي وواضع منطلقانه الفكرية؛ نظرًا لرؤيته الشمولية لقضايا التحديث في العالم العربي، ولروحه العلمية الناقدة وقدرته على التحاور، واعتداده بالذهنية في المنهج العلمي، ولطرحه الصريح لآرائه التي رأى أنها إصلاحية والتي لا تقلّ جرأة عن آراء «قاسم أمين» وكذلك لأثره على من أتوا بعده، ولهذا يراه (الحارثي) صوتًا مفردًا في مجموعة أصوات من النخبة.