فهرس الكتاب

الصفحة 157 من 27364

أما العناصر الواضحة في أصول الخطاب الحداثي العربي عند (طه حسين) فهي: التشكيك في المقدس، والتشويش عليه، والدعوة إلى التحول من فكر قديم إلى فكر حديث يحكمه شرط المعاصرة، يقوم على نشاط العقل العملي، ويعتمد البرهان؛ مما يسهم في قطع الوشائج بين العلم والدين إذا أريد للعلم أن ينجح، وإعادة قراءة النص الديني من خلال معطيات العصر؛ من حيث مواجهة النص الديني بالواقع. كان (طه حسين) يقول نفس ما قاله الغربيون من أن الإسلام كان متأثرًا بالتوراة والإنجيل، فاتّهم القرآن بأنه قد تعمد طمس ذكر الأديان السابقة. ورأى أن القصص القرآني يحتمل أكثر من فهم، وأكثر من توجيه قرائي. ورأى كذلك أن العرب ليست لديهم القدرة على الابتكار، وأن غير العرب هم الأقدر على صنع المدنية. وأن وحدة الدين ووحدة اللغة لا يصلحان أساسًا للوحدة السياسية، ولا قوامًا لتكوين الدول. وأن نظام الحكم، وقيام الدول وتكوينها يقومان على المنافع العملية قبل أي شيء آخر، وعلى هذا الأساس يكون الدين شيء والسياسة شيء آخر، وهذا هو ما تقوم عليه الحياة الحديثة في أوروبا.

كان (طه حسين) كما يقول (الحارثي) يعتد بالصوت الأحادي، ويصادر ما عداه، ويطرح كل قيمة ثابتة. من هنا اكتسب مفهوم «الحداثة» شكلًا جديدًا غير ذلك الذي كان عند القدماء الذين نظروا إليها على أنها «التجديد» بمعنى «تنبيه الناس لما غفلوا عنه من أمور دينهم» كما جاء في الحديث: «يبعث الله على رأس كل مائة سنة من يجدد على الناس أمر دينهم» . حوَّل (طه حسين) مفهوم «الحداثة» ليصبح «البحث عن طرائق التحول من معرفة إلى معرفة، ومن مدنية إلى أخرى» . ويذكر (محمد قطب) أن (طه حسين) لم يتخلَّ عن آرائه هذه حتى عام واحد قبل وفاته.

حين نقل الباحثون العرب مفهوم الحداثة الغربي إلى المنطقة العربية لم يفرغوه من مضامينه الأيديولوجية المتمثلة في فلسفة التنوير الفرنسية التي كانت ترى «أن الهدم هو طريق البناء، وأن هذا الهدم ينبغي أن يبدأ من رفض المقدس أيًا كان مصدره، وتمجيد الحقيقة العلمية» ولهذا كانوا يروِّجون لمضامين مسّت المسلَّمات، وهزت الخصوصيات اليقينية، وتستَّر بعض منهم وراء الأدب والشعر والنثر لزعزعة اليقيني في الذاكرة العربية، وتحويل الذائقة العربية عن تراكماتها الحسية التي تأصلت منذ أكثر من خمسة عشر قرنًا؛ فاعتبر بعضهم ـ كما يقول الحارثي ـ الكتابة القرآنية نصًا لغويًا خارجًا من كل بُعْد ديني، ويجب أن يُقرأ كما يُقرأ أي نص أدبي، وحاولوا إعادة الخطاب الشعري العربي؛ بحيث يتمرد على الماثل من القيم عن طريق الخروج على ضوابط البيان العربي وقوانين اللغة المعيارية في نحوها، وصرفها، وبلاغتها، ثم تُستغل في تعضيد دعاوى التغيير في نمط التفكير، وفي أصول المرجعية العربية.

أصبحت «الحداثة» وفقًا لهذه الغايات رفضًا صريحًا للقديم، وانقطاعًا عنه؛ فكل قيمة تراثية دينية وغير دينية، لغوية وإيقاعية ومعرفية، وأدبية لا بُدّ من رفضها، للوصول إلى التغيير في الفكر وفي الحياة، وهو تغيير لا يقتصر على هدم تقاليد الأدب العربي، واستنبات تقاليد جديدة، ولكنه دعوة إلى تغيير شمولي في مناشط الحياة جميعها وفقًا لمبدأ «الهدم طريق البناء» .

أما «ما بعد الحداثة» التي وصفها منتقدوها كما يقول (السيد إبراهيم) : بأنها هَوَس عارض، أو اختراع خلاَّب اخترعه أهل الفكر بحثًا عن خطاب جديد يُكسبهم امتيازًا ثقافيًا؛ فهي كما عبر عنها (عاطف أحمد) نقلًا عن «وبستمر سيدمان» : اتجاه فكري يرفض الحداثة، كما يرفض النظريات والأنساق التفسيرية الكبرى (ويدخل الإسلام تحت هذه الأنساق بالطبع) التي تحاول تفسير كل الظواهر، وتتنبأ بالمستقبل الإنساني وتصنعه، وتعتبر أن ذلك هو الذي يحقق التحرر والتقدم. وتمارس (ما بعد الحداثة) تفكيرها ـ مثلها مثل الوضعية المنطقية ـ عبر نطاق اللغة؛ على اعتبار أن اللغة هي كل شيء، وهي لا تنظر إلى الظواهر على أنها قائمة في الواقع وإنما تبحث في الصياغات اللغوية ذاتها المتعلقة بالواقع الذي لا يتجاوز نطاقها. وتشرح (خالدة تسكام) هذه الجزئية بقولها: إنه ينظر إلى مفهوم اللغة التقليدي على أنه أسطورة تنطوي بداخلها على شيء غامض، هذا العنصر الغامض في اللغة هو العنصر الميتافيزيقي. وبصورة أوضح: إذا طبقنا ذلك على ثقافتنا العربية؛ فإن ما تريد «تسكام» أن تقوله صراحة هو: تحرير اللغة العربية من الأسطورة الميتافيزيقية، وبعدها يتم إزالة هذه الأسطورة تمامًا؛ أي: الدين، ومن هنا نجد تفسيرًا لكل محاولات الباحثين العرب في مهاجمة اللغة العربية ومحاولة الوثوب على قواعد الصرف والنحو والبيان العربي أملًا في تحريرها من الدين الذي يستبدلونه بمصطلح الأيديولوجية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت