وينفي اتجاه (ما بعد الحداثة) وجود معانٍ أو حقائق معينة، يعمل التفكير على اكتشافها، بل ترى أن ما نتعامل معه على أنه حقائق ومعانٍ إنما يتمثل في الطريقة التي نفكر فيها، والتي هي دائمة التغير والاختلاف. ويحتفي هذا الاتجاه احتفاءً خاصًا بالاختلاف وبالجزئي، وما هو يومي، وبالرغبة والجسد، والممارسات الحسية عمومًا، وبالصور المباشرة والحضور المباشر للأشياء الذي ينطوي على غياب أية حقائق وراءها. ويرفض اتجاه ما بعد الحداثة القول بوجود أساس أولي وثابت لا يقبل النقض يرتكز عليه الفكر. وقد عبر عن ذلك «نيتشه» في مقولته المشهورة: «موت الحقيقة المطلقة» أو «أن الله قد مات» - تعالى -الله عما يقولون. شرح الباحثون هذه المقولة بقولهم: «إنها مجاز، أريدَ به أنه قد ضاع الأساس الذي يضمن لأي مقولة أن تكون مبنية على الحق، ولا يوجد أساس يمكن أن يقال به: هذا خطأ، وهذا صواب» .
ويُعتبر (جاك دريدا) أبرز فلاسفة (ما بعد الحداثة) المعاصرين، وقد رحل عن هذه الدنيا منذ بضعة أيام، وهو من أكثر الفلاسفة المعاصرين تأثيرًا على الباحثين العرب. ويُسمّى بفيلسوف التفكيك أو التقويض. وخلاصة فلسفته التي قام الباحثون العرب بتطبيقها على النصوص القرآنية هي: (لا حدود فاصلة بين النص والتفسير) مما يعني تقويض مرجعية صاحب النص من جذورها، بمعنى أن صاحب النص لا يستطيع أن يفرض على النصوص المعاني التي يريدها؛ فالعقل يجدد النصوص على نحو دائم، والنصوص ليست إنتاج أصحابها وحدهم؛ فهي تتقاطع مع نصوص أخرى لها هيمنة عليها على أنحاء لا يمكن أن نميط عنها اللثام، والتفكيك هنا هو استراتيجية من شأنها أن تثير أسئلة لا تهدأ حول النصوص، ومهمتها إنكار أن أي نص له وجود ثابت ومستقر. وقد وضعت «تسكام» في ترجمتها لما قاله «رافيندران» عن «دريدا» ولما شرحه (السيد إبراهيم) عن فلسفة «دريدا» النقط فوق الحروف بإعلان البُعد الإلحادي لهذه الفلسفة. تقول (تسكام) : تعريف التفكيك بأنه رفض لأولوية الروح وسلطة الوسيط، وأنه تحدًّ لما هو أخلاقي؛ إنه الانغمار في الحياة الدنيوية، إنه يعني اختفاء الرب... الحقيقة فَبْركة وخداع كبير... التفكيك يمتد إلى كتبنا المقدسة، لا يعترف بشيء اسمه كتاب... شرع (دريدا) في إطاحة الأديان عن عروشها في ممالك مثلت فيها حصانات، وفرت الحماية للمفاهيم الميتافيزيقية.. ينبغي تحرير الذهن من الضغوط والضوابط التي فرضت باسم الرب أو الأديان... ». ولبيان تأثير (دريدا) على الباحثين العرب، ومن ثم هجومهم الشرس على الدين ننقل هنا فقرة واحدة لـ (محمد شقرون) يقول فيها: «إن ضرورة تفكيك الدين من أجل التحرير الضروري لمجال الفكر؛ وذلك لإنتاج تأويل علمي عن الاجتماعي لم تطرح بصراحة وبجرأة في الوطن العربي كضرورة واضحة لممارسة العلم بصفة عامة» .
هذه هي أبرز المفاهيم التي يتغنى بها ثلة من المثقفين العرب في أيامنا هذه، وهذا بيان للأساس الإلحادي الصارخ فيها، وبيان كذلك لمدى وحجم تأثيرها على هؤلاء الصنف من المثقفين، ودَوْرهم في هدم المسَلّمات العقدية وما يرتبط بها عند المسلمين.