فهرس الكتاب

الصفحة 18356 من 27364

وكان من أثر ذلك أن انتشر هذا الدين وكثر أنصاره وقادت الأمة الإسلامية أمم الأرض إلى رحاب الله، وأسعدتها بدينه، وما فيه من عدل وسماحة ونظافة، ولكن الأمة الإسلامية أخذت تبتعد عن هذا القرآن قليلا قليلا فضعف إيمان كثير من أبنائها وقل عملهم به، وفترت دعوتهم إليه، فخف وزن الأمة، وقاد قافلتها من ليس أهلا لقيادتها إلى غير قبلتها، وحارب دعاة الباطل من أبنائها دعاة الحق منهم، فسلط الله بعضهم على بعض، وأغرى بينهم العداوة والبغضاء، كما فعل بمن سبقهم ممن انحرفوا عن منهج الله.

قال تعالى: {ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم، فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسينبئهم الله بما كانوا يصنعون} . المائدة: 14.

فخسرت بذلك الأمة الإسلامية حريتها ومجدها، وخسرت بخسارتها أمم الأرض كلها [وقد ألف في هذا المعنى الأستاذ أبو الحسن علي الندوي كتابا، سماه: (ما ذا خسر العالم بانحطاط المسلمين) ] . وشكوى رسول الله إلى ربه تلاحق هذه الأمة في كل وقت تهجر فيه هذا القرآن والعمل به والدعوة إليه: {وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا} . الفرقان: 30.

ولكأن القرآن يردد على مسامع هذه الأمة:

أضاعوني وأي فتى أضاعوا *** ليوم كريهة وسداد ثغر

حجة قائمة

ومع هذا الضعف وهذا الفتور في هذه الأمة، فقد أبقى الله فيها من يقيم عليها وعلى غيرها حجته، من علماء الإسلام ودعاته ومفكر يه، فلم يخل جيل من الأجيال من قائم لله بأمر الله، علما وعملا ودعوة، تحقيقا لقول الرسو صلى الله عليه وسلم ، كما في حديث المغيرة بن شعبة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال: (لا يزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون) [البخاري: (8-149) ] وكما في حديث جابر رضي الله عنه يقول: سمعت صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة. قال: فينزل عيسى بن مريم r، فيقول أميرهم: تعال صل لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله هذه الأمة) . [مسلم: (1-137) ]

حرب ظالمة:

ولكن الطغاة الذين يحاربون حكم الله وشريعته، والدعوة إليه كانوا للدعاة إلى الله بالمرصاد، منعا لهم من قول كلمة الحق، وطردا وسجنا وتعذيبا وقتلا لمن صبر واحتسب وأصر على القيام بواجب الدعوة إلى الله تعالى، وهذا أمر معروف في غالب الشعوب الإسلامية.[هنا قد يشكل على بعض الناس ما يلاقيه هؤلاء الدعاة من أذى، مع الوعد الذي جاء على لسان الرسو صلى الله عليه وسلم للطائفة التي قا صلى الله عليه وسلم فيها: (إنهم لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم.) إلخ

والجواب: أن بقاء هذه الطائفة صابرة على أذى الطغاة الذين بيدهم القوة والسلطة،وهم يجندون كل شيء ضد أولئك الدعاة الذين لا يملكون شيئا يدفعون به عن أنفسهم، ولا يجدون نصيرا من البشر، ولا يستطيع أن يثنيهم الجبارون عن دعوتهم التي لولا توفيق الله لهم بالقيام بها لخلت الأرض من مبلغ للحق ، إن ذلك الصبر وبقاء البلاغ بالحق مستمرا إلى يوم القيامة، هو في الحقيقة نصر كبير، والضرر الذي يلحقهم بجانب ذلك النصر ليس بشيء. فالمبدأ هنا هو المنتصر ونصره نصر لأهله ولو أوذوا ا يضاف إلى ذلك أن هؤلاء الدعاة تثمر دعوتهم ثمرات هائلة بسب إيذائهم أو قتلهم، وذلك نصر لهم، ونحن نشاهد انتشار أفكار هؤلاء الدعاة ودعوتهم واتباع الناس لهم بعد تعذيبهم أو قتلهم ما لم يكن ذلك متوقعا قبل ما حصل لهم]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت