فهرس الكتاب
وإجابة على ذلك ؛ أنَّ هذه المصادرة لرأي الآخر ليس كما يظنُّه بعض أهل الهوى أو المنهزمين ممَّن ينتسبون إلى الإسلام ؛ بسبب الخوف والجبن من الاستماع لأهل البدع والهوى ، بل لأنَّه حفظ لعقول المسلمين ، والاحتياط لدينهم من سماع كلام أهل الضلال والكفر ، استدلالاً بقوله تعالى: (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإمَّا ينسينَّك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين) وقوله تعالى: (وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتَّى يخوضوا في حديث غيره) "النساء/140".
ومن الأدلَّة على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (وإنَّه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء الراشدين المهديِّين ، تمسَّكوا بها وعضُّوا عليها بالنواجذ وإيَّاكم ومحدثات الأمور، فإنَّ كلَّ محدثة بدعة وكلُّ بدعة ضلالة) أخرجه أحمد في مسنده (4/126) والترمذي برقم (2676) وقال: حديث حسن صحيح ، فإنَّه صلى الله عليه وسلم حذَّرنا من محدثات الأمور، ودعانا إلى اجتنابها .
ومن الأدلة كذلك ما رواه عمران بن حصين عنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنَّه قال: (من سمع بالدجَّال فلينأ عنه ، من سمع بالدجَّال فلينأ عنه ، من سمع بالدجَّال فلينأ عنه، فإنَّ الرجل يأتيه وهو يحسب أنَّه مؤمن، فما يزال به بما معه من الشبه حتَّى يتَّبعه) أخرجه الإمام أحمد في المسند (4/431) بسند صحيح،وجوَّد إسناده الإمام ابن مفلح في الآداب الشرعية (1/220) . بل إنَّ المصطفى ـ عليه الصلاة والسلام ـ حين أتاه عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه عليه ، غضب ـ عليه الصلاة والسلام ـ وقال: (أوفيَّ شكٌّ ياابن الخطَّاب ؟! لقد جئتكم بها بيضاء نقيَّة ، لا تسألوهم عن شيء فيخبرونكم بحق فتكذبوا به ، أو بباطل فتصدقوا به . والذي نفسي بيده ، لو أنَّ موسى كان حيَّاً ما وسعه إلاَّ أن يتبعني) أخرجه أحمد في مسنده (3/338) ، وابن أبي شيبة في مصنَّفه (6/228) بسند حسَّنه الألباني.
كان ذلك منه ـ عليه الصلاة والسلام ـ تربية لأصحابه على أن يكون الينبوع الذي يتلقون منه واحداً عذباً نقيَّاً: (يسقى بماء واحد) ، ليفارقوا أهل الضلالة ويستقوا المنهج من غيرهم، لأنَّ مفارقتهم منهج لأهل السنة والجماعة ، وليست من إنشاءات بعض المتشدِّدين كما يزعمه بعضهم ، ويكفينا أنَّه ـ سبحانه وتعالى ـ يقول في محكم التنزيل لمن يطلب النظر في غير كتاب بدعوى عدم الحجر الفكري: (أولم يكفهم أنَّا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم) !!
وأمَّا ما يدَّعيه بعضهم من أولي التوجهات الحديثة العصريَّة: بأنَّ ذلك التحفظ من باب الحجر على الأفكار ، والاسترقاق الفكري ، والإرهاب الثقافي تجاه الناس ، وأنَّه لا بأس بأن يستمع من شاء إلى من يشاء ، سواء أكان سنِّيَّ المنهج أو نقيضه، بلا توجيه أو رعاية أو تربية وعناية ؛ بزعم أنَّ الحق أبلج ناصع ، ومن خلال نصاعة الحق سيتبين للناس أنَّه حق ويأخذون به،لأنَّ الله يقول: (فأمَّا الزبد فيذهب جفاء وأمَّا ماينفع الناس فيمكث في الأرض) ويقولون: إنَّه ليس من إشكال أن يقلِّب المرء بصره في كلام الناس ، ويستمع لجدال المجادلين ، ثمَّ يرى من كان كلامه حقاً فيأخذ به.
فالجواب عن ذلك:بأنَّ هذا الطرح متولد من العقلية الغالية في تحكيم النصوص ، والتي تزايد في إعطاء العقل ما لا يقدر عليه ، ولم يُبْنَ على الأصول الشرعية، وإلَّا فإنَّ هدي رسول الهدى صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين ممن بعده يقوم على تحصين الأفكار ، وصيانة العقول من الاستماع لكلِّ من هبَّ ودبَّ ، وعلى هذا قام منهج أهل السنَّة والجماعة ، ورحم الله عمر بن عبد العزيز، حين قال: (سنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر بعده سنناً،الأخذ بها تصديق لكتاب الله ،واستكمال لطاعته ، وقوَّة على دين الله، ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ، ولا النظر في رأي من خالفها،فمن اقتدى بما سنُّوا فقد اهتدى ، ومن استبصر بها بصر ، ومن خالفها واتَّبع غير سبيل المؤمنين ولَّاه الله ماتولى وأصلاه جهنَّم وساءت مصيراً) أخرجه الآجري في الشريعةص48،والَّلالكائي شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعةبرقم (134) (1/94) ،وعبدالغني المقدسي في الاقتصاد في الاعتقادص216)وحين جاء رجل للإمام الأوزاعي ـ رحمه الله ـ فقال:أنا أجالس أهل السنَّة ، وأجالس أهل البدع . قال الأوزاعي: (هذا رجل يريد أن يساوي بين الحقِّ والباطل) أخرجه ابن بطَّة في الإبانة (2/456) والَّلالكائي (252) في شرح أصول اعتقاد أهل السنَّة والجماعة.