فهرس الكتاب
وأيضاً فإن تكفير الشخص المعين وجواز قتله موقوف على أن تبلغه الحجة النبوية التي يُكَفَّرُ من خالفها، وإلا؛ فليس كل من جهل شيئاً من الدين يُكَفَّر.
ولهذا كنتُ أقول للجهمية من الحلولية والنفاة الذين نفوا أن الله تعالى فوق العرش، لمّا وقعّتْ محنتُهُم:
"أنا لو وافقتُكم كنتُ كافراً، لأني أعلم أن قولكم كُفرٌ. وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جُهَّال. وكان هذا خطاباً لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم" (1) .
فهكذا منهج هذا الرجل الفذ وطريقته الموزونة بميزان الكتاب والسنة لا تجد في كلامه ما تجده عند أهل الانحراف والظلم من العصبية والتجني والانحراف عن السنة، حتى قال فيه الذهبي كلمته المشهورة"كانالسنة نصب عينيه".
وقد انتقصه المتعصبون وشنعوا عليه ورموه بشتى التهم، وهذا من تسلط الشيطان عليهم حيث زيّن لهم سبّه وتكفيره بينما زيّن لهم الدفاع عن ابن الفارض وابن عربي بما أمكن من التأويل والتحيز والتّكتم.
فوضى التكفير المتهور
وإذا كان موقف ابن تيمية من قضية التكفير على الوجه الذي حكيناه عنه فما هي مواقف الناس من ذلك؟
إننا نعلم أن التكفير حق لله سبحانه وتعالى لا يجوز لأحد إخراج أحد من دين الله إلا بِبيِّنة ودليل يعذر بهما يوم القيامة عند الله. فإن المسلم قد يَخرجُ من الدين بإخراجه منه من ليس عند الله كذلك.
قال رسول ا صلى الله عليه وسلم"من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما"وفي رواية"أيما امرئ قال لأخيه"كافر"فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال: وإلا رجعَتْ عليه" (1) . فلا يجوز خروج هذه الكلمة (كَفَرَ) من فم امرئ يتقي الله ويحتاط لدينه إلا بعد حذرٍ شديد. إذ قد تكون سبباً في خروجه هو. وأي خسارة أعظم من ذلك.
وليس خلق الله وصايا على دينه حتى يُخرجوا منه من يشاؤون ممن قد لا يستحقه، ثم يسكتون ويتغاضون عمن يشاؤون ممن يستحقه.
والتكفير لا يحكم عليه بلا أو نعم وإنما له ضوابط وشروط وفيه تفصيل بين ما يعذر فيه صاحبه بالجهل وبين ما لا يعذر فيه، وبين ما يكفر فيه صاحبه بالضرورة وبين ما لا يكفر فيه بالضرورة.
غفلة الناس عن معرفة ضوابط التكفير
ولا يبدون أن عند الحبشي وأتباعه مراعاة لضوابط التكفير ولا مسامحة ولين في التعامل مع المخالف، بل يلاحظ فيهم جانب الفظاظة والقسوة والشدة وهذا حاصل ثمرة علم الكلام وأهله كما وصفهم أبو حنيفة بأنهم قساة قلوب: ليس عندهم ورعٌ ولا تقوى. ومن شاء الوقوف على سلوكيات هذا الرجل فليستمع ولو إلى شريط واحد من أشرطته ليرى فيها الطعن واللعن بالعلماء المخالفين له في المذهب.
وقد حكم بانسلاخ أحد مخالفيه من الدين (خالد كنعان) فقال له"ولعلك منذ أربعين سنة انحرف قلبك أم منذ كم؟ فعارٌ عليك أن تدّعي الإسلام بعد هذا الكفر الذي كفرتَه، ثم لما جاءك المسخ القلبي انسلخت منه كما انسلخت عن حكم تكفير سابّ النبي؟ وهذا تسجيلٌ آخر على نفسك بأنك منسلخ عن السلف والخلف" (1) .
وليس من خلاف بين الفريقين في حكم ساب صلى الله عليه وسلم سباً صريحاً، ولم يكن الخلاف حول حكم شاتم الرسو صلى الله عليه وسلم وإنما حول قصة ذاك الرجل الذي قال للنبي r"إعدل يا محمد"بالكفر؟ ومحل الخلاف في كون هذه الكلمة سباً صريحاً أم لا. وإذا كان كذلك فلماذا لم يقتله صلى الله عليه وسلم ردّة، علماً بأن هذا الرجل"ذا الخويصرة"كان له يد في بعض الفتوحات الإسلامية كالعراق والأهواز، وقد قيل إنه انضم بعد ذلك إلى صفوف الخوارج، لكن الخوارج أنفسهم لم يكفروا على الراجح من قول أهل العلم (2) . فلا يبدو من ا لصحابة أنهم عاملوه معاملة الكافر المرتد. واستغل الحبشي هذه الحادثة وحكم على خالد كنعان بالكفر والانسلاخ من الدين.
وهو متناقض شديد التناقض فقد سأله خالد كنعان نفسه عن التلفظ بالأقوال الكفرية فقال"الحكم لي على هذه الألفاظ الكفرية وإنما يكون من خلال فهم الشخص لها فإن كان يفهم منها كفراً فلا نكفّره" (3) . مع أنه دائم التكفير لمن يخالفه ولو كان في مسائل بسيطة.
الحافظ يشهد بأن أهل الكلام تكفيريون
ولقد أبدى الحافظ ابن حجر استياءه من ذلك فقال"والعجب ممن اشترط ترك التقليد من أهل الكلام ينكرون التقليد وهم أول الداعين إليه . . فآل أمرهم إلى تكفير من قلد الرسو صلى الله عليه وسلم في معرفة الله تعالى. وكفى بهذا ضلالاً، ويلزم من ذلك إلى القول بعدم إيمان أكثر المسلمين" (4) . ونقل عن البيهقي في كتاب الاعتقاد أن غالب من أسلم من الناس في عهد صلى الله عليه وسلم لم يعرفوا إثبات الصانع وحدوث العالم عن طريق استدلال المتكلمين وذكر أن هذا لا يكون تقليداً وإنما اتباعاً (5) . وأثبت الحافظ أن هذا الاشتراط الذي عرفه المتكلمون إنما قلدوا به المعتزلة الذين سبقوهم إلى تكفير من لم يعرف الله عن طريق الاستدلال. قال"وذهب أبو هاشم من المعتزلة إلى أن من لم يعرف الله بالدليل فهو كافر"(