فهرس الكتاب

الصفحة 25095 من 27364

ويكفيك دليلاً على فساد قول هؤلاء أنه ليس لواحد منهم قاعدة مستمرة فيما يحيله العقل، بل منهم من يزعم أن العقل جوّز أو أوب ما يدّعي الآخر: أن العقل أحاله.

يا ليت شعري! بأي عقل يُوزَن الكتاب والسنة، فرضي الله عن مالك بن أنس حيث قال"أوكلما جاءنا رجلٌ أجْدَلُ من رجلٍ تركنا ما جاء به جبريل إلى صلى الله عليه وسلم لِجَدَل هؤلاء، وكلٌ من هؤلاء مخصومٌ بمثل ما خُصِمَ به الآخر، فكلّ من ظنّ أن غير الرسول والسلف أعلم بهذا الباب، أو أكمل بياناً أو أحرص على هدى الخلق، فهو من الملحدين لا من المؤمنين" (1) .

أصل الدين وقواعده

قال"ودين الإسلام مبني على أصلين، على أن يُعبد الله وحده لا يشرك به شيء، وعلى أن يُعبد الله بما شرعه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وهذا هما حقيقة قولنا"لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله"فالإله هو الذي تألهه القلوب عبادة واستعانة ومحبة وتعظيماً وخوفاً ورجاءً وإجلالاً وإكراماً."

والله عز وجل له حق لا يشركه فيه غيره فلا يُعبَد إلا الله، ولا يُدعى إلا الله، ولا يطاع إلا الله.

والرسول صلى الله عليه وسلم هو المبلغ عن الله تعالى أمره ونهيه وتحليله وتحريمه، وهو واسطة بين الله وبين خلقه في تبليغ أمره ونهيه.

وأما في إجابة الدعاء، وكشف البلاء . . . فالله تعالى هو الذي يسمع كلامهم ويرى مكانهم ويعلم سرهم ونجواهم، وهو سبحانه قادر على إنزال النعم، وإزالة الضرر والسقم من غير احتياج منه إلى أن يعرّفه أحد أحوال عباده، أو يعينه على قضاء حوائجهم . . . وهو سبحانه لا يشغله سمع كلام هذا سمع كلام هذا ولا يغلطه اختلاف أصواتهم ولغاتهم، بل يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات، ولا يبرمه إلحاح الملحدينن بل يحب الإلحاح في الدعاء" (1) ."

ضوابط التكفير عند ابن تيمية

تبطل دعوة تكفيره للمخالفين في مسألة الطلاق

وزعم الحبشي أن ابن تيمية يكفّر مخالفيه في مسألة الطلاق (1) فهذا كذب واضح يردّه قول ابن تيمية فقد كان يثني على المخالفين له في مسألة الطلاق ويقول بأن الذي قالوه باجتهادهم لهم سعيٌ مشكور وعملٌ مبرور، وهم مأجورون على ذلك مثابون عليه، وأن من أصاب منهم الكتاب والسنة فله أجران، ومن أخطأ فله أجر . . . وهم مطيعون لله ورسوله فيما أتوا به من الاجتهاد المأمورين به. ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها" (2) ."

وكلامه هذا يفضح افتراء الحبشي وإلا فليخبرنا: أي قال ابن تيمية بتكفير مخالفيه في مسألة الطلاق؟ وقد دل كلام ابن تيمية على نقيض ذلك:

بل قد قال ابن تيمية"لقد كنت دائماً أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال:"إذا أنا مِتُّ فاحرقوني ثم اسحقوني ثم ذروني في اليمّ، فوالله لئن قدر الله عليّ ليعذبنّي عذاباً ما عذبه أحداً من العالمين، ففعلوا به ذلك، فقال الله له: ما حملك على ما فعلتَ؟ قال: خشْيَتُك. فغفر له. قال: فهذا رجلٌ شك في قدرة الله وفي إعادته إذا ذُرِيَ بل اعتقد أنه لا يُعاد، وهذا كُفرٌ باتفاق المسلمين لكن كان جاهلاً لا يعلم ذلك، وكان مؤمناً يخاف أن يعاقبه الله فغفر له بذلك" (3) ."

قال:"والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسو صلى الله عليه وسلم أولى بالمغفرة من مثل هذا" (4) .

وقال"ولا يجوز تكفير المسلم بخطأ أخطأه كالمسائل التي تنازع فيها أهل القبلة" (5) . بل قد ذكر النزاع في كفر الخوارج والروافض وغيرهم من الفرق وقد خالفوا إجماع المسلمين في أمور العقائد فما بالك بالمخالف في الفروع (6) .

نقده لأهل التكفير

قال ابن تيمية"وطريقة أهل البدع في التكفير الذين يجمعون بين الجهل والظلم، فيبتدعون بدعة مخالفة للكتاب والسنة وإجماع الصحابة ويكفّرون من خالفهم في بدعتهم."

فالرافضة ابتدعوا تفضيل عليّ على الثلاثة وتقديمه في الإمامة، وكفّروا من خالفهم.

وكذلك الجهمية ابتدعت نفي الصفات وجعلوا يكفّرون من لم يوافقهم على ذلك.

وأئمة السنة والجماعة وأهل الإيمان فيهم:

ـ العلم، والعل، والرحمة.

فيعلمون الحق الذي يكونون موافقين به للكتاب والسنة سالمين من البدعة، ويعدلون على من خرج منها ولو ظلمهم كما قال تعالى {كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} .

ويرحمون الخلق، فيريدون لهم الخير والهدى والعلم، ولا يقصدون الشر لهم ابتداءً، بل إذا عاقبوهم، وبيّنوا خطأهم وجهلهم وظلمهم، كان قصدهم بذلك بيان الحق ورحمة الخلق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا.

فالمؤمنون أهل السنة أعمالهم خالصة لله تعالى، موافقة للسنة، وأعمال مخالفيهم لا خالصة ولا صواب، بل بدعة واتباع الهوى، ولهذا يُسَمَّوْن"أهل البدع والأهواء".

فلهذا كان أهل العلم والسنة لا يكفّرون مَن خالفهم وإن كان ذلك المخالف يُكَفّرهم. لأن الكفر حكمٌ شرعي، فليس للإنسان أن يعاقب عليه، كمن كذب عليك وزنى بأهلك: ليس لك أن تكذب عليه وتزني بأهله، لأن الكذب والزنا حرام.

وكذلك التّكفير حقٌ لله، فلا يُكَفَّرُ إلا مَن كفّره الله ورسوله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت