فهرس الكتاب

الصفحة 25094 من 27364

فإن معرفة هذا أصلُ الدين وأساس الهداية، وأفضل ما اكتسبته القلوب وحصّلته النفوس وأدركتْه العقول، وقال فيما صحَّ عنه"ما بعث الله نبياً إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم" (1) .

فكيف يتوهم مَن في قلبه أدنى مسكة من إيمان وحكمة أن لا يكون بيان هذا الباب (الأسماء والصفات) قد وقع من الرسول على غاية التمام؟ ومن المحال أن خير أمته وأفضل القرون قصَّرا في هذا الباب زائدين فيه أو ناقصين منه.

ولم يقل أحد منهم إن الله ليس على العرش، ولا إنه في كل مكان ولا إنه لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصلاً به ولا منفصلاً عنه ولا إنه لا تجوز الإشارة إليه.

فإنْ كان الحق فيما يقوله هؤلاء النافون للصفات الثابتة في الكتاب والسنة، من هذه العبارات ونحوها دونما فهم من الكتاب والسنة إما نصّاً وإما ظاهراً فكيف يجوز على الله ورسوله، ثم على خير الأمة: أنهم يتكلمون دائماً بما هو نصٌّ أو ظاهرٌ في خلاف الحق! ثم الحق الذي يجب اعتقاده لا يبوحون به قط، ولا يدلّون عليه، حتى جاء المتوغلون في علوم الفلاسفة، فبيّنوا للأمة العقيدة الصحيحة، ودفعوا بمقتضى علومهم ما دلّ عليه الكتاب والسنة نصاً أو ظاهراً؟!

فإن كان الحق في قولهم: فلقد كان ترْكُ الناسِ بلا كتابٍ ولا سنةٍ أهدى لهم وأنفع على هذا التقدير.

تأدب العقل

فإن حقيقة ما يقوله هؤلاء: أنكم يا معشر العباد لا تطلبوا معرفة الله وما يستحقه من الصفات، لا من الكتاب ولا من السنة ولا من طريق سلف الأمة، ولكن انظروا أنتم: فما وجدتموه مستحقاً له من الصفات في عقولكم فصِفوه به، سواءٌ كان موجوداً في الكتاب والسنة أو لم يكن.

وكأن الله قال لهم: ما نفاه قياس عقولكم مما اختلفتم فيه فانفوه، وإليه (أي العقل) فارجعوا عند التنازع، فإنه هو الحق الذي تعبَّدتُكُم به، وما كان مذكوراً في الكتاب والسنة مما يخالف قياسكم هذا فاعلموا أني ممتحنكم بتنزيله لا لتأخذوا الهدى منه، ولكن لتجتهدوا في تحريفه على شواذّ اللغة، ووحشيّ الألفاظ وغرائب الكلام.

وما أشبه حال هؤلاء بقوله تعالى {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا 60 وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا 61 فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} [النساء61] .

فإن هؤلاء إذا دُعُوا إلى ما أنزل الله من كتاب وإلى الرسول أعرضوا عن ذلك وهم يقولون: إنا قصدنا علماً وعملاً بهذه الطريق التي سلكناها والتوفيق بين الدلائل العقلية والنقلية:

فيقال لهم: يا سبحان الله، كيف لم يقل الرسول يوماً من الدهر ولا أحد من سلف الأمة هذه الآيات والأحاديث لا تعتقدوا ما دلت عليه، لكن اعتقدوا الذي تقتضيه مقاييسكم فإنه الحق.

ثم الرسول قد أخبر بأن أمته ستفترق ثلاثاً وسبعين فرقة، ثم قال"إني تاركٌ فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله".

وقال في صفة الفرقة الناجية"من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي"فهل قال: من تمسك بظاهر القرآن في باب الاعتقاد فهو ضال وإنما الهدى رجوعكم إلى مقاييس عقولكم؟!

وهذه التأويلات الموجودة اليوم بأيدي الناس مثل أكثر التأويلات التي ذكرها أبو بكر بن فورك في كتاب"التأويلات"وذكرها الفخر الرازي في كتابه الذي سماه"تأسيس التقديس"ويوجد كثير منها في كلام كثير غير هؤلاء [كالمعتزلة] مثل أبي علي الجبائي، وعبد الجبار بن أحمد الهمداني وأبي الحسين البصري، التي ذكرها بشر المريسي في كتابه.

التأويل بين الخلف والسلف

ومذهب السلف بين التعطيل والتمثيل، فلا يمثلون صفات الله بصفات خلقه، كما لا يمثلون ذاته بذات خلقه، ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه، أو وصفه به رسول صلى الله عليه وسلم فيعطلون أسماءه الحسنى وصفاته العلا، ويحرّفون الكلم عن مواضعه، فإن من حرّفوا لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات، فقد جمعوا بين التمثيل والتعطيل، مثّلوا أولاً وعطلوا آخراً، فهذا تشبيه وتمثيلٌ منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاته، وتعطيلٌ لما يستحقه هو سبحانه من الأسماء والصفات اللائقة به.

ثم المخالفون للكتاب والسنة وسلف الأمة من المتأولين في أمر مريج، فإن من ينكر الرؤية زعم أن العقل يحيلها، وأنه مضطر إلى التأويل، ومن يحيل أن لله علماً وقدرةً يقول: إن العقل أحال ذلك فاضطر إلى التأويل، بل من ينكر حقيقة حشر الأجساد والأكل والشرب الحقيقي في الجنة: يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه مضطر إلى التأويل، ومن يزعم أن الله ليس فوق العرش: يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه مضطر إلى التأويل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت