فهرس الكتاب

الصفحة 5317 من 27364

يتفق المربون وعلى كافة الأصعدة والمستويات على نظرية: أن الدرس العملي التطبيقي أبلغ من الطرح النظري في إيصال المعلومة وبلوغ الهدف المرجو، ومنذ نهاية الاستعمار، وإلى اليوم مروراً بعصر الحرب الباردة ثم تحول العالم إلى أحادية القطب والسياسة الأمريكية ما انفكت تدرِّس شعوب الشرق الإسلامي نظرية العداء لأمريكا والغرب، وبأطروحات متنوعة، ومدارس شتى من خلال الحصار الجائر وتجويع الشعوب، وقتل الكرامة واستباحة الخيرات والمعايير المزدوجة، وصبّ جامّ غضب أمريكا على هذه الشعوب، وتجريب الآلة الحربية المتطورة مباشرة أو بقيادة إسرائيلية ،وعدم الاكتراث بما يجري لهذه الشعوب بل القتل الصريح وبدم بارد بحجة أنها جزء من محور الشر أو داعمة للإرهاب أو خارجة عن القانون الدولي أو غير ذلك من (مانشيستات) الاتهام الجاهزة لمثل هذه الأغراض أصلاً.

تلك الدروس وهذه المدارس نجحت وبجدارة في أداء دورٍ عظيم جعل العداء لأمريكا ومن سار في قطبها عقيدة أكثر رسوخاً وقناعة في الشرق، ودفع بالمئات من الشباب لاسترخاص الموت في سبيل الدفاع عن أرض تُستعمر ودين يُداس وكرامة تُمتهن.

كنا ندرس أن الغرب أكثر إفادة من دروس الماضي، وأن مراكز الرصد لديه لا تفوّت شيئاً في سبيل ضمان عدم تكرار الخطأ. ولكن ها هي أسئلة يطرحها البسطاء ألم تتأدّب أمريكا من مدرسة فيتنام والصومال، وورطة الروس في أفغانستان والشيشان؟!

بعد سبتمبر مباشرة كان القرار الأمريكي الأول وحتى قبل ثبوت التهمة هو ضرب بؤرة العمل الجهادي ومصنع رجالاته ومدارسه أفغانستان، وكانت تطمح إلى ضربة قاضية تكون بداية النهاية لهذا الفكر، غير أن الواقع أثبت أن تفجير قنابل الميكروويف في بانشير وتورا بوار وهندكوش تسبب في تطاير الشظايا إلى كل بلاد العالم تحمل معها أمانة التجنيد للفكر الجهادي وصنع المساحات الكافية لبناء قواعد المدّ اللوجستي والبشري، وتصعيد التعاطف الشعبي الموجود أصلاً ومن خلال دروس ماثلة واقعية يجسدها ما ترتكبه الآلة الأمريكية من ذبح وهدم ودمار ليرقى هذا التعاطف إلى مستوى التفاعل والدعم والتضحية.

إنها حقيقة مرة في المذاق الأمريكي أن يكون نتاج العمل لضرب هذا التوجه بداية ميلاد العشرات من المحاضن المشابهة بل التابعة، وبحالة يصعب معها المتابعة والرصد, إن لم يستحل.

فلم لا يكون والحالة هذه الممثل الحقيقي لدور خوارزم شاه هم الأمريكان، ومن قال من ليس معي فهو ضدي في عقلية لم تعرف الآخر إلا بعد أن اكتوت بناره. إن التأريخ يثبت بالتجربة أن الضربات كلما كانت أقسى كلما كانت أنجع في عملية إيقاظ الأمم من سباتها وبث روح التحدي لديها.

وإن من سوء التدبير أن تطارد أمريكا العائدين من أفغانستان فتلجئهم بطريقة عجيبة إلى أن يكونوا أكثر ولاءً لمبادئهم، وتضحية من أجلها؛ فقد تبين لهم أنه ليس فقط طالبان أو القاعدة في أفغانستان هما المطلوبين في هذه العملية، بل كل من يحمل الفكرة ويدين بها، ولو لم يسع لتفعيلها.

أضف إلى ذلك معتقلات كوبا، والتي أضحت تقوم بدور قميص عثمان لكن بطريقة سلبية، ثم الإكراه الأمريكي للحكومات أو تفاعل بعضها بلا إكراه مع الطلب الأمريكي باستخدام سياسة القوة والاعتقال ضد كل أطياف التيار: سلمه وحربه، وهذا نهج ثبت عدم جدواه مع الجماعات القتالية في العالم، بل وبعد سنين من المعارك والقتل كانت طاولة المفاوضات هي الملجأ للحلّ. إن ما يُمارس على أرض الواقع من ضرب لما يُشتبه أنها معاقل للتيار أو مصادر تمويل له، والأخذ بمجرد الظنة، وإلغاء كل دعاوى الديمقراطية والتعايش، إن بعض هذا يكفي لشحذ همم المئات من الشباب كي تتحول من مجرد الولاء إلى تفعيل الدور والقيام بشيء ما.

ويا لَغباء الأمريكان حين نقلوا المعركة إلى حيث شرايين حياتهم ( العراق ) وموارد طاقتهم الخليج!! إن الصراعات الأيديولوجية لا يحسمها الحديد والنار وهذه من المسلمات.

فأيّ المناهج أجدر بالمراجعة وأحق بالتغيير؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت