فهرس الكتاب
راح رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يستنفرهم ، ويعظهم بالله ويذكرهم ، ولكن المنافقين كانوا ـ ولا زالوا ـ عقلانيين ، واقعيين . . . يقيسون الأمر بعقولهم القاصرة ، فقالوا قولتهم قَالَوا:"نذهب معه إلى قوم قد جاءوه فقتلوا أصحابه فنقاتلهم ! فاعتلوا بالشغل" [7] وهذا قول الله تعالى { سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً . )بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً } [ الفتح: 12،11]
نعم وكانوا قوما بورا .
ورأى المنافقون مرات عدّة أن الأمور لا تسير بحساباتهم ، ولا تقاس بعقولهم ، فمسبب الأسباب ـ سبحانه وتعالى ـ ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، رأوا ذلك رأي العين في يوم الفرقان حين التقى الجمعان ، حزب الرحمن وحزب الشيطان ، ورأوه في يوم الأحزاب ، وفي يوم الحديبية . ولكن المنافقين لا يفقهون .
في يوم العسرة ، جيش المسلمين ثلاثين ألفا ، فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا يريدون الروم ، ولم تفهم عقلية المنافق الدرس مع أنها سمعته عدة مرات نظريا ورأته بعينها عدة مرات ، لم تفهم لأنها لا ترى إلا الأسباب الحسية التي في أيديها . وراحت تتكلم ثانية ، تشكك في النصر على الروم تقول: أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضا والله لكأنا بكم غدا مقرنين في الحبال . وقد كان جلاد بني الأصفر أقل من جلاد العرب ، بل لم يجالدون ، وما فهم المنافقون . بل عادوا يسخرون ويستهزئون .
ونفر ممن يخالطون المؤمنين حين يرون حركة الإسلام بهذه الخصوصية المطلقة يحسبون أنها ضرب من اللاعقلانية والعجلة وسوء التخطيط ، كإخوانهم الذين نافقوا في عهد النبوة . وتراهم في كل حين يسألون:
إن تولى الإسلاميون الحكم ثارت عليهم الدنيا . فكيف سيتعاملون ؟
وإن تولى الإسلاميون الحكم حاصرتنا الأمم ورمتنا عن قوس واحدة . فكيف ؟
وإن تولى الإسلاميون الحكم ثارت الأقليات طلبا لثأرها . فكيف ؟
يصرون أن يحاكموننا إلى أعراف الجاهلية . إلى المفاهيم الدنيوية الدنية .
وأعراف الجاهلية لا نعرفها ، ونؤمن تماما بأن هناك خصوصية للشريعة الإسلامية في كل شيء .
ارتباط النفاق بالإصلاح:
يقول الله تعالى: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } [ البقرة:11]
كانوا يوالون الكافرين ، ويتلطفون في الحديث معهم ، ويكشفون عوارات المسلمين لهم يقولون: ( إنما نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب ) [8] ويقسمون أنهم مصلحون ، أو ـ كما يقول السياق ـ أنهم هم المصلحون . ينشرون الفساد في المجتمع يدعون بذلك الإصلاح (فجمعوا بين العمل بالفساد في الأرض, وإظهار أنه ليس بإفساد بل هو إصلاح, قلبا للحقائق ) كما يقول الشيخ السعدي رحمه الله وهو يفسر الآية .
وتركوا التحاكم إلى الله ورسوله ، وراحوا يقسمون بالله أنهم ما فعلوا ذلك إلا إحسانا وتوفيقا . { فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً } (النساء:62)
إحسانا إلى المتخاصمين وتوفيقا بينهم . لا يريدون شوشرة ، ولا مجاهدة ، يريدون أمنا في الأنفس والمال ، وكلنا يريد ذلك ، ولكنهم لا يبصرون إلا تحت أقدامهم .
هم كانوا صادقين عند أنفسهم في أنهم يريدون توفيقا وإصلاحا ، وإخوانهم اليوم ، أولئك الذين تحاكموا إلى الطاغوت وهم يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم يقولون ذات القولة ، يريدون الإصلاح ( التعايش ) ( السلام العالمي ) الإحسان والتوفيق ، بطريق وسط لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ن يأخذون من هذا ويأخذون من ذاك ، ولن يرضى هذا ولن يرضى ذاك .
والعجيب ، والغريب ، والمريب أن كل الدعوات المشبوهة اليوم ترفع شعار الإصلاح . أتاتورك بالأمس ( جمعية الإصلاح والترقي ) ، و محمد عبده كان شعاره ( الإصلاح ) ، إصلاح الدين وإصلاح السياسة وإصلاح الأدب . وما أصلح بل أفسد وتقنطر حتى عبر عليه الكافر لثوابتنا الشرعية ن فعرى نساءنا باسم ( الإصلاح ) وغرّب الشريعة باسم ( الإصلاح ) .
المنافقون الأول كانوا يدعون الإصلاح . قال تعالى"وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون . ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون" [ البقرة:12،11 ] وقال تعالى"إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون" [ الأعراف: 30]