فهرس الكتاب

الصفحة 22507 من 27364

ولكن الكنيسة الأوروبية افسدت ذلك كله بما أدخلته من التحريف علي الوحي الرباني المنزل من السماء لهداية البشرية علي الأرض ، وتخبطت في قضية الألوهية تخبطا من نوع جديد ، حين قالت إن الله ثلاثة أقانيم ، وإن المسيح ابن مريم عليه السلام واحد من هذه الأقانيم الثلاية ، وإنه ابن الله وفي الوقت ذاته إله ، وشريط لله في تدبير شئون الكون .

وفضلا عن ذلك - أو ربما بسبب ذلك - حجر علي العقل البشري أن يعمل وأن يفكر

فإن هذه الألغاز التي ابتدعتها المجامع المقدسة في شأن الألوهية لم تكن"معقولة ط ولا مستساغة . فما يمكن للعقل البشري أن يتصور ثلاثة أشياء هي ثلاثة وهي واحد في ذات الوقت ، وما يمكن أن يتصور أن الله سبحانه وتعالي ظل متفردا بالألوهية وتدبير شأن هذا الكون مالا يحصي من الزمان ، ثم إذا هو - فجأة- يوجد كائنا أخر ليكون شريكا له في الألوهية ومعينا له في تدبير الكون !!! تعالي الله عن ذلك علو كبيرا"

ومن أجل كون هذا العبث"المقدس"!"الذي ابتدعته المجامع"المقدسة"! وغير معقول ولا مستساغ ، فقد سخرت الكنيسة"العقل"في محاولة إخراج هذا المزيج المتنافر المتناقض في صورة"فلسفية"مستساغة ( أو هم قالوا عنها إنها مستساغة !) وفي الوقت ذاته حجرت علي العقل أن يناقشها ، لئلا تجر المناقشة إلي القول بأنها غير معقولة علي الرغم من كل الصناعة"العقلية"التي وضعت فيها !"

ومن ثم نشأت في الكفر الأوروبي تلك"المسلمات"أو العقائد المفروضة فرضا التي لا يجوز مناقشتها Dogmas ،لا لأنها - في حقيقتها - من الأمورالتي ينبغي للعقل أن يسلم بها دون مناقشة ـ ولكن لأنها مناقضة للعقل ، ومفروضة عليه فرضا من قبل رجال الدين ، الذين زعموا لانفسهم حق صياغة العقائد وفرضها علي النسا بالقوة دون أن يكون لهم حق المناقشة أو الاعتراض وإلا كانوا مهرطقين مارقين ، يجوز فيهم كل حتي إهدار الدم وإزهاق الأرواح - كما مر بنا من شأن محاكم التفتيش التي قال عنه"ويلز"في كتابه"معالم تاريخ الإنسانية ( ص 902 - 903 من الترجمة العربية ) "

"فأصبح قساوستها وأساقفتها علي التديج رجالا مكيفين وفق مذاهب واعتقاديات حتيمة Dogma وإجراءات مكررة وثابتة .. ونظرا لأن كثير ا منهم كانوا علي الأرجح يسرون الريبة في سلامة بينان مبادئهم الضخم المحكم وصحته المطلقة لم يسمحوا بأية مناقشة فيه ، كانوا لا يحتملون اسئلة ولا يتسامحون في مخالفة ، لا لأنهم علي ثقة من عقيدتهم ، بل كانوا غير واثقين فيها"

"وقد تجلي في الكنيسة عندما وافي القرن الثالث عشر ما يساورها من قلق قاتل حول الشكوك الشديدة التي تنخر بناء مدعياتها بأكلمه ، وقد تجعله أثر بعد عين ، فلم تكن تستشعر أي أطمئنان نفسي وكانت تتصيد الهراطقة في كل مكان كما تبحث العجائز الخائفات -فيما يقال - عن اللصوص تحت الأسرة وفي الدواليب قبل الهجوع في فراشهن"

ومن الأدلة التاريخية التي تثبت أن النصاري - علي الرغم من تشبثهم الشديد بمقررات المجامع المقدسة بشأن قضية الألوهية - لم يكونوا يؤمنون بها في دخيله أنفسهم إلي درجة اليقين ، ماحدث من وفد نصاري نجران مع الرسو صلى الله عليه وسلم حين دعاهم - بأمر ربه - إلي المباهلة:

{فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61) } [سورة آل 3/61]

فقد امتنعوا عن المباهلة وانصرفوا رغم جدالهم الشديد مع رسول الله صلي الله عليه وسمل حول بنوة عيس لله وألوهيته مع الله .. ولو كانوا علي يقين حاسم ما أمتنعوا !

وأيا كان الأمر فقد استخدمت الكنيسة كل طغيانها الروحي للحجر علي العقل .. وصنعت ذلك باسم"الدين"!

والدين الصحيح ليس في حاجة إلي شئ من ذلك الذي صنعته الكنيسة

حقيقة إ، في الدين الصحيح"مسلمات"لا تناقش ، تعتبر من أصول الإيمان كما جاء في حديث جبريل عليه السلام:

"قال: فأخبرني عن الإيمان ؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره (1) "

(1) رواه مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه

وبعض هذه الأمور ليس للعقل سبيل إليها من ذات نفسه ، إنما يتعرف عليها عن طريق الوحي ، ويسلم بها تسليما ، كالإيمان بالملائكة واليوم الآخر وما يشتمل عليه من بعث ونشور وحساب وجزاء وجنة ونار .. وكان هذا كله واردا في"مسلمات"الدين الكنيسي ، ولا اعتراض عليه .

ولكن هناك فارقا أساسيا بين"مسلمات"الدين الصحيح والمسلمات الكنسية الأخري التي كانت تجبر الناس عليها إجبارا وتمنعهم من مناقشتها في أمر صحتها ، وتتهمهم بالمروق عن الدين إن خالفوها أو هموا مجرد هم بمناقشتها !

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت