فهرس الكتاب

الصفحة 22508 من 27364

فالمدخل إلي هذه المسلمات في الدين الصحيح هو الإيمان بالله والتعرف علي صفاته التي لا يشاركه فيها أحد، وفي مقدمتها انه هو الخالق وأنه علي كل شئ قدير ، والإيمان بالرسول المرسل صلى الله عليه وسلم وصدقه وأمانته (1) ، والإيمان بأن ما يخبر به عن ربه وحي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وكل هذه يدعي العقل دعوة صريحة إلي التفكير فيها ، والتأكد منها قبل الإيمان بها ، وخذ مثالا علي ذلك ما جاء في كتاب الله من خطاب للقوم المدعوين للإسلام:

{أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (17) } [سورة النحل 16/17]

{قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنْ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (4) } [سورة الأحقاف 46/4]

{هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلْ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (11) } [سورة لقمان 31/11]

{قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ} [سورة سبأ 34/46]

{لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [سورة الأنبياء 21/22]

{مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91) } [سورة المؤمنون 23/91]

{أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (82) } [سورة النساء 4/82]

فإذا آمن الإنسان - وهو مدعو للتفكير والتدبير وإعمال العقل ليؤمن - بأن الله هو الخالق وهو علي كل شئ قدير ، وآمن بصدق الرسول المرسل صلى الله عليه وسلم ، وأمن بأن ما يخبر به الرسول عن ربه وحي لا شبهة فيه ، فقد أخبره الوحي بأمور لا سبيل للعقل أن يصل إليها من تلقاء نفسه لأنها ليست مما يقع في محيط رؤيته ولا تجربته ، وطلب منه التسليم بها لأنها آتية من المصدر الحق الذي آمن بصدقه وصدق كل ما يجئ من عنده . وهي في الوقت نفسه مما لا يملك العقل دليلا حقيقيا ينفيها .. فوجب عليه أن يسلم بها وقت آمن بمقدماتها التي توصله إلي التسليم بها .

هذا شأن المسلمات في الدين الصحيح: أمور لا يملك العقل ان يستدل عليها من تلقاء نفسه ، ولا يملك في الوقت ذاته دليلا حقيقيا ينفيها ، ثم إنه لا يدعي إلي التسليم بها قبل أن يسلم بالمقدمات التي توصل إليها عن طريق التفكر والتدبر والتأمل في ملكوت السماوات والأرض .

أما المسلمات التي فرضتها الكنيسة فرضا وأرهبت الناس من مناقشتها فهي غير ذلك تماما .

فحيث يتجه العقل والتدبر والتأمل إلي الإيمان بأن الله واحد أحد ، وانه لو كان في السماوات والأرض ألهه إلا الله لفسدتا .. تقول له الكنيسة إن الله ثلاثة ، ثم تزيد الأمر تعقيدا فتقول له إن الثلاثة واحد والواحد ثلاثة ، ثم تمنعه من المناقشة عن طريق الإرهاب .

وحيث يتجه العقل - بوسائل تفكيره - إلي الإيمان بأن الله الذي خلق كل شئ وقدره تقديرا هو في غني عن كل شريك لأنه ( بيده ملكوت كل شئ ) ولأنه يقول للشئ ( كن فيكون ) ومن ثم فهو الجدير بالعبادة وحدة .. تقول له الكنيسة إن هناك شريكا لله هو المسيح عيسي ابن مريم عليه السلام ، هو إله مع الله ، ومعبود كذلك مع الله ثم تمنعه من المناقشة وتتهمه بالمروق إن خالف ..

وحيث يتجه العقل - بمنطقة الذاتي - إلي الإيمان بأن الله ليس في حاجة إلي اتخاذ الولد - والخلق كلهم خلقه ، خلقهم بمشيئته وهم عباد له - وليس من شأنه سبحانه أن يتخذ مالا حاجة له إلي اتخاذ ، وهو المهيمن الذي يدبر أمر الوجود كله بمفرده ، بلاكلفة عليه سبحانه ولا جهد ولا حاجة إلي معين .. تقول له الكنيسة إن الله ولدا، خلقه بمشيئته كما يخلق كل شئ بمشيئته ثم تبناه - سبحانه وتعالي عن ذلك علوا كبيرا - ليضعه بعد ذلك علي الصليب ويجرعه آلام الصلب ، فيكفر بذلك عن خطيئة لم يرتكبها ذلك الإبن إنما أرتكبها آدم وحواء قبل ذلك بزمن لا يحصيه إلا الله ! ثم تفرض عليه ذلك فرضا وتقول له هذه هي العقيدة .. ومن لم يعتقدها فقد حلت عليه لعنة السماء .

(1) وهو بالنسبة للنصاري المسيح عيسي ابن مريم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت