فهرس الكتاب
فالمدخل إلي هذه المسلمات في الدين الصحيح هو الإيمان بالله والتعرف علي صفاته التي لا يشاركه فيها أحد، وفي مقدمتها انه هو الخالق وأنه علي كل شئ قدير ، والإيمان بالرسول المرسل صلى الله عليه وسلم وصدقه وأمانته (1) ، والإيمان بأن ما يخبر به عن ربه وحي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وكل هذه يدعي العقل دعوة صريحة إلي التفكير فيها ، والتأكد منها قبل الإيمان بها ، وخذ مثالا علي ذلك ما جاء في كتاب الله من خطاب للقوم المدعوين للإسلام:
{أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (17) } [سورة النحل 16/17]
{قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنْ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (4) } [سورة الأحقاف 46/4]
{هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلْ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (11) } [سورة لقمان 31/11]
{قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ} [سورة سبأ 34/46]
{لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [سورة الأنبياء 21/22]
{مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91) } [سورة المؤمنون 23/91]
{أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (82) } [سورة النساء 4/82]
فإذا آمن الإنسان - وهو مدعو للتفكير والتدبير وإعمال العقل ليؤمن - بأن الله هو الخالق وهو علي كل شئ قدير ، وآمن بصدق الرسول المرسل صلى الله عليه وسلم ، وأمن بأن ما يخبر به الرسول عن ربه وحي لا شبهة فيه ، فقد أخبره الوحي بأمور لا سبيل للعقل أن يصل إليها من تلقاء نفسه لأنها ليست مما يقع في محيط رؤيته ولا تجربته ، وطلب منه التسليم بها لأنها آتية من المصدر الحق الذي آمن بصدقه وصدق كل ما يجئ من عنده . وهي في الوقت نفسه مما لا يملك العقل دليلا حقيقيا ينفيها .. فوجب عليه أن يسلم بها وقت آمن بمقدماتها التي توصله إلي التسليم بها .
هذا شأن المسلمات في الدين الصحيح: أمور لا يملك العقل ان يستدل عليها من تلقاء نفسه ، ولا يملك في الوقت ذاته دليلا حقيقيا ينفيها ، ثم إنه لا يدعي إلي التسليم بها قبل أن يسلم بالمقدمات التي توصل إليها عن طريق التفكر والتدبر والتأمل في ملكوت السماوات والأرض .
أما المسلمات التي فرضتها الكنيسة فرضا وأرهبت الناس من مناقشتها فهي غير ذلك تماما .
فحيث يتجه العقل والتدبر والتأمل إلي الإيمان بأن الله واحد أحد ، وانه لو كان في السماوات والأرض ألهه إلا الله لفسدتا .. تقول له الكنيسة إن الله ثلاثة ، ثم تزيد الأمر تعقيدا فتقول له إن الثلاثة واحد والواحد ثلاثة ، ثم تمنعه من المناقشة عن طريق الإرهاب .
وحيث يتجه العقل - بوسائل تفكيره - إلي الإيمان بأن الله الذي خلق كل شئ وقدره تقديرا هو في غني عن كل شريك لأنه ( بيده ملكوت كل شئ ) ولأنه يقول للشئ ( كن فيكون ) ومن ثم فهو الجدير بالعبادة وحدة .. تقول له الكنيسة إن هناك شريكا لله هو المسيح عيسي ابن مريم عليه السلام ، هو إله مع الله ، ومعبود كذلك مع الله ثم تمنعه من المناقشة وتتهمه بالمروق إن خالف ..
وحيث يتجه العقل - بمنطقة الذاتي - إلي الإيمان بأن الله ليس في حاجة إلي اتخاذ الولد - والخلق كلهم خلقه ، خلقهم بمشيئته وهم عباد له - وليس من شأنه سبحانه أن يتخذ مالا حاجة له إلي اتخاذ ، وهو المهيمن الذي يدبر أمر الوجود كله بمفرده ، بلاكلفة عليه سبحانه ولا جهد ولا حاجة إلي معين .. تقول له الكنيسة إن الله ولدا، خلقه بمشيئته كما يخلق كل شئ بمشيئته ثم تبناه - سبحانه وتعالي عن ذلك علوا كبيرا - ليضعه بعد ذلك علي الصليب ويجرعه آلام الصلب ، فيكفر بذلك عن خطيئة لم يرتكبها ذلك الإبن إنما أرتكبها آدم وحواء قبل ذلك بزمن لا يحصيه إلا الله ! ثم تفرض عليه ذلك فرضا وتقول له هذه هي العقيدة .. ومن لم يعتقدها فقد حلت عليه لعنة السماء .
(1) وهو بالنسبة للنصاري المسيح عيسي ابن مريم .