فهرس الكتاب
تلك هي المسلمات التي لا يمكن التسليم بها لأن العقل يملك كل دليل ينفيها ، ولأنها لا تستند إلي شئ إلا قرارات المجامع المقدسة التي تبتدعها من عند نفسها وتزعم مجرد زعم أنها من عند الله ، بينما الناس يرون رجال الدين في تلك المجامع يتناقشون ويتحاورون ، ويختلفون فيما بينهم أشد الاختلاف ، ثم يصدرون القرار من تفكيرهم الذاتي- ولو كان وحيا سماويا لالتزموا به عقيدة ولم يجزلهم الاختلاف فيه - ثم يرون أسوأ من هذا أن الأقلية تصدر القرار أو تفرضه فرضا علي الأكثرية ثم تطرد الأكثرية بالقوة كما حدث في مجمع خلقدونية .. ولا تطردهم من المجمع فحسب ، بل تزعم كذلك أنها تطردهم من رحمة الله !
ومن أجل أن هذه المسلمات المزعومة لا يمكن للعقل التسليم بها فقد حظرت الكنيسة علي العقل أن يفكر فهيا او يناقشها ، وزعمت الناس أن التفكير فيها مناف للإيمان ، وأن الموقف الصحيح للمؤمن هو التسليم بها بغير جدال ، وتفويض الأمر فيها لا - لله ! - بل"لقداسة"الباب ومن حوله من"كبار"رجال الدين !
وفي ظل الإرهاب الفكري الذي مارسته الكنيسة انكمش نشاط العقل الأوربي وانحصر في التسليم بما تمليه الكنيسة والمجامع المقدسة ، ومحاولة التوفيق بينه وبين مقتضيات التفكير السليم ، في مغالطات"فلسفية"هي أقرب إلي التلفيق منها إلي التوفيق !
ومن ناحية أخري انصرف الفكر الأوربي عن النظر في هذا العالم وفي الحياة الدنيا بتأثير أخر من تأثيرات الدين الكنسي المحرف ، فقد أوحت المسيحية المحرفة إلي الناس بأن هذه الدنيا لا سبيل إلي إصلاحها أو تقويم معوجها لأنها ناقصة بطبيعتها . وأن الطبيعة الإنسانية ناقصة كذلك ، ولا سبيل إلي إصلاحها إلا بصرفها عن الاهتمام بالحياة الدنيا جملة ، وصرف اهتمامها إلي اليوم الآخر كما المحنا في فصل"العلمانية"، وإنه بقدر ما ينصرف الإنسان عن هذا العالم والتفكير فيه - بالرهبانية - يكون أقرب إلي الصلاح ، وأقرب إلي الفوز بملكوت الرب في العالم الآخر .
هذا اللون من التفكير صرف التفكير الأوربي عن النظر في شئون العالم الأرضي والكون المادي إلا في أضيق نطاق مستطاع . ففي أمور الحياة رضي الناس عامة - والمتدينون خاصة - بعيش الكفاف (1) ولم يتطلعوا إلي زيادة الإنتاج أو تحسينه ، لأن ذلك يخالف روح الدين ، ومن ثم لم يسعوا إلي زيادة في العلم تمكنهم من زيادة الإنتاج أو تحسينه .
كذلك لم يهتموا بزيادة معلوماتهم عن الكون المادي من حولهم من فلك أو رياضيات أو كيمياء أو فيزياء ..إلخ ، لأن الأمر - في حسهم - لا يستحق الاهتمام من ناحية ، ولأن المعلومات التي تقدمها المصادر"الدينية ط عن هذا الكون فيها كفاية لهم من ناحية أخري ، ولم تكن تلك المعلومات تعدو أن الله خلق الأشياء علي صورتها لحكمة هو يعلمها ، ولغاية هو يريديها ، وأن كل شئ يجري علي النحو الذي أراده الله منذ الأزل بلا تغيير ، وهذا في ذاته حق ولا شك ، ولكنه لا يعطي التفسير التفصيلي لظواهر الكون المادي المحيط بالإنسان ! ولا ما يحدث من التحول الدائم في الكون والحياة والإنسان !"
علي هذا النحو الضيق المغلق المحصور كان الفكر الأوروبي فيما يسمي - هناك - بالعصور الوسطي المظلمة ، التي استمرت زهاء عشرة قرون ، خيم فيها علي أوروبا ظلام الجهل والانحسار والانحصار ، في ظل الطغيان الكنيسي المتعدد الألوان المتشعب الأطراف .
فلما بدأت أوروبا في عصر النهضة نتيجة احتكاكها بالمسلمين في الحروب الصليبية من ناحية ، والاتصال السلمي بمراكز العلم والثقافة في الاندلس والشمال الإفريقي وصقلية وغيرها ، كان العقل الأوروبي في حالة تشوق عنيف لاستيراد حريته في العمل ، أي حرية التفكير . ولكن ، كما اتسمت فترة العصور الوسطي المظلمة بالتطرف في إلغاء دور العقل والحجر علي حرية الفكر ، كذلك اتسمت فترة النهضة وما بعدها التطرف في الجانب الآخر ، جانب إعمال الفكر في كل شئ ، سواء كان داخلا في مجال العقل اوغير داخل فيه ، وإعمال"بحرية"لا تقبل القيد ، سواء كان القيد مشروعا أوغير مشروع !
كان عصر"الإحياء"هو عصر العودة إلي الجاهلية الإغريقية بكل انحرافاتها .. مع زيادة انحراف جديد . هو النفور من الدين ، ومحاولة إبعاده عن كل مجال من مجالات الحياة .
والحقيقة أن الحياة الأوروبية في تلك الفترة تستلزم نظرة فاحصة تفق علي التيارات والعوامل المختلفة التي كانت تمور في كيانها ، والتي تمخضت فيما بعد عن الصورة الحالية"للحضارة"الغربية .
لقد أخذت أوربا في نهضتها شيئا كثيرا من الإسلام والمسلمين ، ورفضت في الوقت ذاته أن تعتمد الإسلام دينا وعقيدة ومنهج حياة - كما بينا في الفصل السابق - وكان من جراء ذلك أثار بعيدة المدي في الحياة الأوربية إل وقتنا الحاضر .
فقد صحت أوربا من غفوتها الطويلة بالاحتكاك الحربي والسلمي بالمسلمين في الشرق والغرب .
(1) ما عدا الاقطاعيين بطبيعة الحال ، ومع ذلك فقد كانت الكنيسة تساندهم - بكل جشعهم وظلمهم - لانها هي ذاتها كانت قد أصبحت من ذوات الإقطاع