فهرس الكتاب

الصفحة 10260 من 27364

أما في علوم (الظاهرة الإنسانية المعقدة فالأمر مختلف تماماً، فهي علوم محليّة ذات خصوصيّة وتميّز بين الأمم، والخلاف والتمايز فيها هو الأصل، ومع وجود نسب من التماثل والاتفاق بحكم النواحي الإنسانيّة المشتركة بين أبناء الجنس البشري، لكنّ الاختلاف والتباين أوسع وأعمق بحكم اختلاف العقائد والأفكار والثقافات واللّغات والبيئات وغيرها، هذه العلوم: كعلوم التاريخ والسياسية والاقتصاد والاجتماع والنفس والتربية والفنون والآداب ومنها النظريات النقديّة، فكلها علوم محلية بيئيّة، تعبّر عن خصائص الأمم وأفكارها وشخصيّتها وتميزّها؛ لأنها علوم أو فنون تعالج الظاهرة الإنسانيّة في مجتمع معين ومحدد، والإنسانيّة ليست واحدة في عقائدها، ولا في أفكارها، ولا في أذواقها، ولا حتى في عقدها وأمراضها، لأنها ليست موحدة كالظاهرة الماديّة وسنن الكون.

تنظيف الرّكام:

ومن القضايا المهمة في تنظيف الرّكام عن هذا العقل المسلم أن تشير إلى الدور التخريبي الذي مارسه الاستعمار على هذا العقل، حيث وضع الاستعمار خططه المبكرة، للسيطرة على الوطن العربيّ منذ أواسط القرن الثامن عشر، وكان الاستعمار الثقافّي يسبق الاستعمار العسكريّ ويمهّد له، ضمن مراحل كل مرحلة تُفضي إلى الأخرى وضمن المسار التالي:

1-المرحلة الأولى: اختراق الدولة العثمانيّة وإنشاء المدارس التنصيريّة والمدارس والمعاهد والجامعات التابعة لها، بهدف نشر التعليم باللغة العربيّة وإحياء الثقافة العربية، ليس حباً في العرب ولغتهم، وإنما بهدف مساعدة العرب حتى تنمو لغتهم التي أماتها العثمانيّون، حتى يصلوا إلى مرحلة نمو اللغة ونمو الشخصيّة القوميّة والشعور القومي لإقناعهم بالانفصال عن الدولة العثمانيّة، فعلى سبيل المثال كانت الجامعة الأمريكية في بيروت تدرس العلوم والآداب جميعها باللغة العربية منذ تأسيسها ،حتى إذا تمّ لهم انفصال الوطن العربي عن العثمانيين عادت الجامعة الأمريكيّة إلى تدريس المواد جميعها باللغة الإنجليزيّة ثم عاد المستعمرون إلى محاربة اللغة العربيّة وفرض لغاتهم علينا.

2-المرحلة الثانية: قام جيش الاستشراق وتلاميذه من أبناء جِلدتنا بتوجيه عملية الإحياء اللغوي والثقافي للثقافة العربية، لإيجاد ثقافة عربية هشّة ضعيفة، تقوم على إحياء ثقافة التلوّث والضّعف خدمة لسياسات دولهم وحتى يضمنوا لدولهم عدم ميلاد ثقافة عربيّة إسلاميّة جادّة تقف في وجه ثقافتهم، وعمدوا إلى تضخيم بعض قضايا الثقافة العربيّة، بهدف التشكيك في مصادر هذه الثقافة مثل: قضايا الانتحال، والتحكم في الدراسات الأدبيّة وتاريخ الأدب، والتركيز على إحياء ثقافة العصر العباسي، المتأثّر بالثقافة اليونانيّة، وضخّموا ثقافة ذلك العصر ووصفوه"بأنه العصر الذهبي"للثقافة العربيّة الإسلاميّة لأهداف خبيثة، حيث قاموا بإحياء ثقافة الفِرق الباطنيّة والصوفيّة، وإحياء كتب الفلسفة الإسلاميّة اليونانيّة، وعلم الكلام، ثم التركيز على إحياء أدب اللهو والمجون والخمر والغناء، وتسليط الضوء على فِتن العصر العباسي ومَثَالبه، لزرع اليأس في قلوب أبناء الأمّة، ولإجاد مرجعية أصالة مزيّفة يُحتَجّ بها في خِداع العقل المسلم عن ذاته، عند التكلم عن الأصالة والمعاصرة، ثم تحقيق عدد من الأهداف البعيدة منها إبقاء المسلم المعاصر مشغولاً ومشدوداً خارج مرجعيّته الحقيقية مرجعيّة الوحي ( القرآن الكريم، السنة النبوية الشريفة) ثم الاكتفاء بثقافة التلوّث والتمزّق في العصر العباسي؛ لأن هذا العصر بما فيه من ثقافة فلسفيّة تعود جذورها إلى العقل الفلسفي اليوناني، تساعد نفسيّة هذا المسلم للقبول بالثقافة الأوروبيّة الحديثة لما بينهما من أواصر القربى في المرجعيّة.

3-المرحلة الثالثة: حيث تجمع أبناء الطوائف القديمة التي صنعت ثقافة التلوث والانشقاق الثقافي في العصر العباسي ( الفرق الباطنية، النصارى، واليهود) وقد سنحت لهم الفرصة من جديد للقيام بنفس الدور السابق الذي قام به أجدادهم المؤسسون، لتشكيل وجه الثقافة العربية بتلوث جديد يضاف إلى ما صنعته فرقهم في ذلك العصر، وبعد أنْ ضعف دور الاستشراق حيث جاء دورهم في تغريب الأمة ضمن الأدوار التالية:

1-الدّعوة إلى الانسلاخ عن تُراث الأمّة، والالتحام بالتراث الثقافي الأوروبي وتيارات الحداثة فيه، وإحياء ثقافة الحركات الصوفيّة والباطنيّة في العصر العباسي، واختراع نظريّات الفكر الإقليمي بإحياء الوثنيات القديمة ( الآشوريّة، والبابليّة، والفنيقيّة) لمحاربة الدّعوة للوحدة العربيّة، وكان لهذا الفكر دعاتُه من أبناء جميع الطوائف في بلاد الشام والعراق.

2-الدّعوة إلى فكر القومية العربيّة المنسلخة عن الإسلام، وتعبئة الفراغ الفكريّ الناجم عن هذا الانسلاخ باستيراد الفكر الرأسمالي، والحداثة والعلمانيّة والاشتراكيّة، وقد غلب على هذا التيار أبناء الطوائف النصرانيّة في بلاد الشام والعراق.

3-استيراد الفكر الاشتراكي وتأسيس الأحزاب الشيوعيّة في الوطن العربي، وقد غلب على هذا التيار أبناء الطائفة اليهوديّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت