4-الدّعوة إلى الانسلاخ عن العروبة والإسلام، والالتحاق بالحضارة الغربيّة وقد غلب على هذا التيار أبناء النصرانية في مصر.
ورغم انضمام أعداد كبيرة من أبناء المسلمين إلى هذه التيارات، إلا أنّهم في أكثرهم كانوا تلاميذ وتابعين لأبناء تلك الطوائف، وقد لاحظ الناقد الكبير إحسان عباس الذي يمتاز"بالعلميّة الجادة"أنّ دوافع طائفيّة وراء الدّعوة إلى الانقطاع عن تُراث الأمّة وأشار إلى ذلك في كتابه ( اتجاهات الشعر العربي المعاصر) حيث يعزو سبب عزوف بعض الشعراء المعاصرين عن التراث إلى: (أن هناك من الشعراء أقلّيات عرقية ودينية ومذهبية في العالم العربي، وهذه الأقليات تتميز عادة بالقلق والديناميّة، ومحاولة تخطي الحواجز المعوّقة، والالتقاء على أصعدة(أيدلوجية) جديدة، وفي هذه المحاولة يصبح التاريخ عبئاً والتخلص منه ضرورياً، أو يتم اختيار الأسطورة الثانية؛ لأنها تعين على الانتصاف من ذلك التاريخ بإبراز دور تاريخيّ مناهض).
وتمكنت هذه الفئات من تضليل شرائح كبيرة من النّخب الثقافيّة من أبناء المجتمع الإسلاميّ في طول الوطن العربي وعرضه، وبذلك دخلت إلينا (العلمانيّة الأوروبيّة) التي تفصل الدّين عن الحياة، وترضى بسيطرة العقل الفلسفي عليها، ثم تمّ تفصيل هذه العلمانيّة ليشمل الحياة بكاملها، فصل الدين عن الدولة، فصل الدّين عن الأخلاق، فصل الدّين عن الاقتصاد، فصل الدين عن العلم، تحت مبرر أننا لن نتقدم إلا إذا طرحنا الدين من حياتنا كما فعل الأوروبيون، وقد نسيَ هؤلاء أنّ مرض العداء للدّين هو قضية محليّة، تخص المجتمع الأوروبي وعلاقته مع الكنيسة؛ لأنهم لا يعرفون خصائص العقل الفلسفي الذي يتعامل مع (المسيحية) من منطق الفلسفة البراغماتيّة، فهو ينفصل عنها عندما تقف في وجه تطوّره، ولكنه يعود فيستعملها لخدمة مصالحه عندما يحتاج إليها في"تنصير"الشعوب لأجل استعمارها!
ثم جاء دور (العلمانيّة الأدبيّة) التي تفصل الدين عن الأدب؛ لأنّ الدين كما يزعمون يتدخل في حرّية الأديب، ويقيّدها مع أنهم يرضون بسيطرة العقل الفلسفيّ على الأدب، ولا يرون ذلك عيباً.
ولئن سألتهم، لماذا هذا المكيال الجائر؟ أليس الأدب: رؤية، وموقفاً، وبناءً فيناً؟ فلماذا تسمحون للعقل الفلسفي الضّالّ أنْ يتحكّم به؟! ولماذا ترفضون أنْ يتدخّل الإسلام في الأدب؛ مع أنّ الإسلام يشكل الرُّؤية والموقف للأديب، ثم تأتي قضيّة البناء الفني كقدرة وموهبة وخبرة للتعبير عن هذه التجربة؟! يتهربون ويلوون رؤوسهم؛ لأنّ المضبوع لا يعي شيئاً سوى اللّحاق بضابعه يسير إلى حتفه بظلفه