وقد لقي المسلمون من كيدهم، وأصابهم من مكرهم، ما أوقع بهم كل فتنة دهماء {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ } ويكشف الله جل وعلا عن حقيقتهم بقوله: {وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً } يريدون أن يميل المسلمون ميلا عظيما، عن المنهج القويم، والصراط المستقيم، في تنظيم الأسر، وتطهير المجتمع، وتحديد وظيفة كل من الرجل والمرأة، يريدون أن يطلقوا بينهم الغرائز، من كل قيد وعقال، يريدون أن ينتشر الفساد الجنسي المحموم، بلا حاجز ولا رادع، ذلك الفساد الذي لا يقر معه قلب، ولا يطمئن معه بيت، ولا يسلم معه عرض، ولا تقوم معه أسرة، يريدون أن يعود الآدميون قطعاناً من البهائم، ينزو فيها الذكران على الإناث، باسم الحرية، وليست إلا شهوة واستعباد، وباسم الإصلاح و ليس إلا الفساد والإفساد. لقد كانوا يبذلون جهدهم لرد المجتمع المسلم إلى الجاهلية، وهو ما تسطره الأقلام الهابطة، وتبثه الأجهزة الموجهة، وتدسه الأفكار الهدامة. فاتق الله يا عبد الله { وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ } اللهم احفظ علينا ديننا.
الخطبة الثانية:
الحمد لله معز من أطاعه واتقاه، ومذل من خالف أمره وعصاه، الذي وفق أهل طاعته للعمل بلا إله إلا الله، وحقق على أهل معصيته ما قدره عليهم وقضاه، أحمده سبحانه على حلو نعمه ومر بلواه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا رب سواه، ولا نعبد إلا إياه، وأشهد أن نبينا محمداً، عبده ورسوله النبوة، فطوبى لمن والاه وتولاه.
أما بعد:
فيا عباد الله: إن ما وصل إليه الأمر، في بعض بلدان المسلمين، من التفسخ والتبذل، لم يحدث دفعة واحدة، وإنما بدأ بدايات بسيطة، خطط لها ودبر، وتداعت لنصرتها وسائل إعلامهم، ووزعوا الأدوار فيما بينهم، فهذا يطرح، وذاك يؤيد، والثالث يحكي الإجماع، يتظاهرون بأنهم للمجتمع من الفساد منقذون، وعلى الاقتصاد حريصون،، وأن غيرهم عاجزون، وأنهم في ذلك مصلحون {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ…. } حتى آل الأمر إلى ما آل إليه، فعصفت رياح التغيير، وموجة التغريب بالمجتمع، وتعالت أصوات أهل العلمنة، ودعاة التحرير، وأنشبوا أظفارهم في جسد الأمة، فأكثروا فيها من الجراحات، وكلما خمدت نار فتنة أشعلوا فتيلها، بتصعيد إعلامي، من أقلام مأجورة، وجرأة غير معهودة، فخذوا حذركم، واتقوا الله تعالى في أنفسكم، واستقيموا على طاعة ربكم، واشكروا الله على نعمائه عليكم، وعالجوا الأمر بكل وسيلة ممكنة، على ضوء ما دل عليه كتاب ربكم، وسنة نبيكم ،"من رأى منكم منكراً …"واستشيروا في ذلك من رسخت في العلم قدمه، وعلا في( الخير كعبه، واحذروا مكائد الأعداء، فإنهم لا يبالون في أي أودية الهلاك ألقوكم، ولنعلم جميعا أن ما أصابنا من فتن، إنما هو بسبب ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ… } فعلينا يا عباد الله أن نتوب إلى الله تعالى توبة نصوحا، وأن نطرح بين يديه، مظهرين الفاقة والحاجة إليه، وأن نلح إليه بالدعاء والتضرع بأن يصلح ولاة أمرنا، وأن يرزقنا وإياهم البطانة الصالحة الناصحة، وأن يجنبهم بطانة السوء.فاللهم احفظنا بالإسلام قائمين، واحفظنا بالإسلام قاعدين، واحفظنا بالإسلام راقدين، ولا تشمت بنا الأعداء ولا الحاسدين،اللهم احفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا، وعن أيماننا، وعن شمائلنا، ومن فوقنا، ونعوذ بعظمتك، أن نغتال من تحتنا، اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوء، فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً عليه، اللهم من أراد نساءنا بتبرج وسفور، ومن خطط لاختلاطهن بالرجال، ومن كاد لنزعهن الحجاب، اللهم فأخرس لسانه، وشل يده، وأعم بصره، وعرضه للمصائب، واجعله عبرة للمعتبرين. اللهم واستر على نساء المسلمين.