ولنا أنْ ننظر إلى مكمن الإشكال الذي ذكرناه، ونتساءل عن كيفية حلّه من أجل صالح البشريّة؛ فهل نعتبر الحضارة الغربيّة المعاصرة هي أرقى ما توصلت إليه الحضارة الإنسانيّة، وبالتالي فهي تمثل الحضارة القدوة وعلينا القبول بها نموذجاً مهيمناً غالباً ينبغي اتباعه والاقتداء به، وترك كل الخصوصيّات الثقافيّة والحضاريّة الخاصّة بنا؟
أم أنّ الحضارة الآن هي نتاج تراكميّ تاريخيّ لشعوب وحضارات متعدّدة، وبالتالي فإنّها نتاج عوامل متعدّدة، وليست ذات خصوصيات غربيّة أو أمريكيّة أو إنتاج أمّة معيّنة، وبهذا علينا أنْ نعتبرها هي الحضارة، ولا ينبغي الخروج عنها؟
أم أنّ مفهوم الحضارة العالميّة مفهوم فَضْفاض مهلهل مهتزّ، استعمله الغالب ليسيطر على المغلوب، ودعا إليه القويّ ليسلب من الضعيف آخر أدوات المقاومة لنموذج مشوّه وقاصر ومحدود الأفق، وبذلك ينبغي الاحتفاظ بالخصوصيّة الحضاريّة والثقافيّة، وترسيخ مبدأ التميّز والاختلاف؟
إنّ تأمّل الخيارات الثلاثة المطروحة أمامنا تمثل -في الواقع- أهمّ المقاربات الموجودة في الأوساط السياسيّة والثقافيّة والعلميّة، وهي المقاربات المتداولة بين الباحثين والمهتمين بالشأن الحضاريّ.
ويمكن القول: إنّ هذه المقاربات تحمل كلّ منها مبرّراتها كما تحمل جوانبها السلبيّة، وهذا ما يدفع إلى الدّعوة إلى العمل على صياغة مقاربة أكثر شموليّة وإحاطة بالموضوع، وذلك من خلال استراتيجيّة ومنهجيّة تتوجه إلى أبعاد ثلاثة:
أولاً: فهم النّسق والسياق التاريخيّ الذي نشأت فيه الحضارة المعاصرة، وهو لا شكّ نسق الحداثة الغربيّة بما وفر للحضارة الغربيّة المعاصرة من إطار فلسفيّ ومرجعيّة فكريّة ومنظومة قيميّة تطوّرت في كنفها الحضارة وصاغت مقولاتها فيما يخص علاقتها بالحضارات والثقافات غير الغربيّة.
ثانياً: محاولة فهم العلاقة بين الدينيّ والدنيويّ، بين المطلق والزماني، بين منظومة القيم الدينيّة والقيم العلمانيّة التي صاغتها الحضارة الغربيّة، وأثر ذلك على تشكل المؤسّسات والجماعات السياسيّة والاجتماعية والثقافيّة والمهنيّة وغيرها في الغرب. أي فهم مفهوم وموقع الدين في صياغة الحضارة الغربيّة المعاصرة.
وثالثاً: فهم التطوّر التكنولوجيّ الهائل الذي ميّز الحضارة الغربيّة المعاصرة، والأبعاد التي أضفاها على منظومة القيم والمعايير، وما أدّى إليه من تغيّر النظرة إلى الإنسان ومكانته وماهيّته ووجوده. أو ما عبّر عنه ابن نبي بِـ"تقدّم العلم وتخلّف الضّمير".
وفي الختام نقول: إنّه بهذه الاستراتيجيّة يمكن أنْ نحيط بالظاهرة وأنْ نستوعبها فهماً، وبعد ذلك يمكن أنْ نحلّ الإشكالات المطروحة، ونستطيع أنْ نتحدث عن الحضارة العالميّة أو الكونيّة.