جيرارد جاكسون،"الغضب المقدس، والكذب الإعلامي"
وأهمية هذه النقطة تكمن في أنه مع تقدم وسائل نشر الأخبار، وتعدد مصادرها، والنقلة الهائلة في إمكانات الإعلام البديل التي وفرتها شبكة الإنترنت، ووسائل الاتصال الحديثة، فإن التحكم الكامل في الإعلام الأمريكي شبه مستحيل، وذلك لكثرة وسائل الإعلام، وتنوع الأفكار التي يمكن أن تطرح من خلال هذه الوسائل المختلفة، وتنوع الشخصيات الإعلامية تبعًا للمناطق الجغرافية المختلفة من القارة. ولذلك فالمستقبل يحمل علامات استفهام كبرى أمام استمرار محاولات الهيمنة الإعلامية للتيار الصهيوني في القارة الأمريكية.
3-هل اللوبي الصهيوني مسيطر حقًا على الإعلام
إن أهم هدفين رئيسين يسعى الإعلام الموجه من قبل اللوبي الصهيوني إلى تحقيقهما، هما إرباك الرأي العام الأمريكي تجاه الإسلام والعالم الإسلامي، وإيجاد حالة من الخوف والترقب من كل منهما. ولا شك أن تأثير اللوبي الصهيوني على الإعلام الأمريكي واضح وملموس، ويستمد قوته من عدد من العناصر الهامة، ومنها:
التغلغل الإعلامي: وصول عدد كبير من الموالين لهذا اللوبي إلى مراكز إعلامية هامة، وسيطرتهم على عدد كبير من غرف التحرير في الصحف والمجلات والقنوات التلفزيوينة.
القوة الإعلانية: إن للقوة المالية التي تتمتع بها الشركات المرتبطة بهذا اللوبي، قدرة على استخدام الميزانيات الإعلانية كوسيلة ضغط لتحقيق أهداف فكرية وسياسية. ونظرًا لأن أغلب وسائل الإعلام الأمريكية هي مؤسسات ربحية بالدرجة الأولى، فإن الإعلان يعد أهم مصدر من مصادر التمويل والربح لهذه المؤسسات الإعلامية. وبالتالي فإن من يملك التصرف في الميزانيات الإعلانية يمكن أن يتحكم في المحتوى الفكري للرسالة الإعلامية ويمكن أن يؤثر أيضًا على المصداقية الصحفية لوسيلة الإعلام.
ملكية وسائل الإعلام: قام التيار الصهيوني منذ أكثر من قرن ميلادي بشراء العديد من الصحف والمجلات ووسائل الإعلام الأخرى، وإخضاعها بصورة أو أخرى لأهداف التيار بشكل غير مباشر، مع استمالة الرأي العام عن طريق اللعب على الغرائز، والإسفاف الإعلامي، وغير ذلك من الوسائل التي اشتهر بها هذا التيار تاريخيا.
جهل الرأي العام: المجتمع الأمريكي بطبعه لا يهتم بقضايا العالم الخارجي، ولا يعنى بصراعات العالم طالما أنها لا تؤثر على حياته اليومية. ولذلك نجح اللوبي الصهيوني في استغلال هذا الجهل العام لإعادة صياغة رؤية الرأي العام الأمريكي تجاه أولويات اللوبي الصهيوني.
خيارات للجميع
في مقابل ما ذكر أعلاه من تأثير اللوبي الصهيوني على الإعلام الأمريكي، فإن نفس هذه العوامل مجتمعة يمكن أن تستخدم من قبل أي تيار آخر لتحقيق نتائج متشابهة. ويعني ذلك أن الهيمنة لم تنتج بسبب ميل طبيعي أو فطري للرأي العام الأمريكي لمناصرة اللوبي الصهيوني، وإنما نتجت من تخطيط جاد ومثابر، واستخدام كفء للموارد، واستغلال طبيعة المجتمع الأمريكي لتحقيق النتائج التي يهدف إليها اللوبي. وجميع الوسائل السابقة يمكن أن يستخدمها لوبي آخر أو تيار معارض لتحقيق نتائج شبيهة أو مقاربة.
ولذلك فإن دعاوى السيطرة التامة للوبي الصهيوني على الأعلام الأمريكي، وإن كانت صحيحة إلى حد ما مرحليًا، إلا أنها ليست مطلقة، ومن الممكن زعزعة عوامل استقرارها، ولكنه طريق طويل وجاد ولا يثمر نتائج فورية أو عاجلة.
إن 45 دولة إسلامية في العالم، وأكثر من مليار مسلم لن يحصلوا أبدًا على تغطية إعلامية عادلة من إي من وسائل الإعلام المكتوب والمرئي إلى أن يكون لهم صحيفة متميزة تمثل وجهة نظرهم. وليس مهمًا كم تكون البداية متواضعة، فإن هناك عدد كاف من القراء لدعم مثل هذه الصحيفة التي قد تبدأ أسبوعيًا ثم تتحول يومية، ويمكن أن ينشأ عنها إذا أو قناة تلفزيونية أيضًا
ريشارد كيرتس،"من يتحكم في الإعلام"مجلة واشنطون ريبورت.
4-الانعزال الفكري وآلية التحيز
إن الإعلامي الأمريكي لم يعد قادرًا على تمييز تحيزه ضد العرب والمسلمين. إن تقوقع الصحفي الأمريكي حول مجموعة من المسلمات الخاطئة تراكمت من جراء سنوات من التعتيم وتشويه المواقف قد أفرز صحافة أمريكية وإعلامًا أمريكيًا منعزل فكريًا عن باقي العالم رغم قوة وصوله إلى مختلف أنحاء الأرض. فهو إعلام منعزل من ناحية مصادر تغذيته بالأفكار والأخبار، ولكنه بالمقابل إعلام منفتح من ناحية الوصول إلى القراء والمشاهدين في كافة أنحاء الأرض. إنها معادلة صعبة حقًا، وقد لا ترى بسهولة لمن ينبهر بمظاهر التعددية الزائفة في الإعلام الأمريكي.