فهرس الكتاب

الصفحة 4009 من 27364

يحتاج العالم الإسلامي في سعيه للتنمية العلم والتكنولوجيا الغربيين، ومع ذلك لا يمكن استيراد العلم الغربي دون القيم الأخلاقية التي أنتجته، وقد استخدم الغرب في طوره الاستعماري الثقافة والأفكار لاستعمار العالم الثالث، ولهذا ازدهر الاستشراق وبعثات التبشير والأنشطة المشابهة، وجرى استبقاء الاستعمار التقليدي بالحضور المادي لقوات البلد الأم في ما وراء البحار، فقد تعاون الغزو المادي والفكري آخذاً كل منهما بيد الآخر، إلا أن الموقف مختلف إلى حد ما في عصر الاستعمار الجديد بتقدمه السريع في التكنولوجيا، وتعرض التكامل الفكري والثقافي للأمم الصغيرة للخطر، فكان غرض الاستعمار إنشاء نخبة ثقافية داخلية بقيم غربية، وغرس نظم التعليم والفكر الغربية في العالم الثالث، وكانت ثقافة الاستعمار أيديولوجية بطبيعتها، واليوم أدى الغزو الثقافي من خلال التقنية المتقدمة إلى النتيجة التالية:

سعت الثقافة الغربية - إضافة إلى كونها أيديولوجية بطبيعتها - إلى قهر وسائل النقد والعقلانية في العالم الإسلامي، وفي حالتنا استهدفت العقل العربي والإسلامي محاولةً جعله ينسى ماضيه المتفرد والمجيد.

إن إحدى حقائق عالم اليوم التي يؤسف لها أنه ليس ثمة من يمكنه منافسة الهيمنة الاقتصادية والفكرية الأمريكية، فهذا البلد يمتلك موارد اقتصادية ضخمة وتقنية متقدمة، والمهارة العسكرية والإرادة لغزو العالم بكامله فكرياً (48) ، ولذا أعيد صياغة السؤال الأول إلى: ماذا يجب عمله لتحقيق نهضة ثقافية وسياسية واجتماعية عقلانية في العالم الإسلامي المعاصر؟ إن الفكر الإسلامي لا يمكنه تجنب التضمينات الكاملة لتحدّي الغرب الثقافي المعاصر وبالأخص تحدى الولايات المتحدة في سياق النظام العالمي الجديد.

أصبح النظام العالمي الجديد الذي تدشن في أعقاب الهزيمة العسكرية للعراق ظاهرة سياسية شاملة، وعلى سبيل المثال سلم رد القوميين على الغرب بتكيف أساسي مع الأوضاع بعد نهاية الحرب الباردة، وفقد معظم الدول الاهتمام بالوحدة العربية، وما قاله عابد الجابري الأيديولوجي المغربي الرائد مناسب في هذا الصدد: إن الوجود العربي حي، وأظهرت الحرب القريبة التي شنها الحلفاء على العراق، بجلاء، حيوية العروبة ، وحضورها المصان في روح الجماهير العربية التي احتشدت لتأييد العراق وغالباً ضد رغبات حكوماتها، ومما له دلالته أيضاً في هذا الصدد الموقف العربي القومي الذي اتخذه مفكرو الفرانكفون المغاربة الذين حُرم العديد منهم من تعلم العربية في طفولتهم، وإضافةً لحشد تأييدهم وراء العراق فقد عبروا عن فزعهم وإحباطهم من الموقف الأوربي من العراق (49) .

كان الغرض الأساسي للمشروع القومي العربي خلال عصر الاستعمار تحقيق استقلال العالم العربى، وساعد استقلال الجزائر على تحقيق هذا الهدف، ولكن حرب عام 1967 كانت نكسة رئيسة بمنعها الوحدة والتضامن العربيين من أن يمدا جذورهما الفكرية والتنظيمية في المجتمع.

إن ظهور الدولة الإقليمية كحقيقة سياسية دولية وكوضع نفسي اجتماعي / اقتصادي لا يمكن تجاوزه، وضع مزيداً من العقبات في طريق المشروع القومي العربي، فالعالم العربي منقسم الآن بشكل يفوق أي وقت مضى، وعلى العالم العربي أن يأخذ في الاعتبار ـ إضافة إلى التحدي الثقافي والانقسام السياسي ـ المشروع الصهيوني والتغيرات الحادة في طبيعته في سياق النظام العالمي الجديد.

ويمكن القول -تأسيسًا على الحجج السالفة- إن المهمة العاجلة للعالم الثالث هي السعي للتحرر الاقتصادي والسياسي من هذه الهيمنة الجديدة ، وأحد العوامل الحاسمة في ذلك التخلص من الاستعمار الثقافي؛ لأن الهدف الأساسي لما بعد الاستعمار هو الهيمنة الثقافية وبث القيم الغربية في العالم الثالث (50) ، ويرفض الشمال إجراء نقاش شامل حول القيم الثقافية مع الجنوب، مفترضا أن قيمه الخاصة هي المعيار أي أنها قيم عالمية، وأن تبنيها سيحل مشكلات العالم الثالث الاقتصادية والاجتماعية (51) ، وبغض النظر عن قدرات الغرب العسكرية والنووية الفائقة فإن ما بعد الاستعمار سلاح يهدف لتدمير التنوع الثقافي في عالم اليوم (52) وخلق ثقافة عالمية متجانسة واحدة هي"الثقافة التغريبية" (53) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت