فهرس الكتاب
ونظراً لتشابك الغرب مع العالم الإسلامي منذ أوائل القرن التاسع على الأقل، فإن الغرب كظاهرة لا يزال يحير الفكر الإسلامي الحديث، ومع ظهور الاستعمار في أوائل القرن التاسع عشر تساءل المفكرون المسلمون"ما الغرب ؟"وفرض الغرب تحدياً أساسياً على العقل العربي الإسلامي الحديث، وهذا التحدي هو الذي أرغم الفكر الإسلامي الحديث على نقد الماضي، ومحاولة انتحال روح الغرب العلمية الحديثة، ومع ذلك بقى الغرب مصطلحاً غير محدد في الفكر الإسلامي الحديث هل يمثل الاستعمار ؟ أم الليبرالية ؟ أم المسيحية ؟ أم الرأسمالية ؟ أم الاشتراكية ؟ وعادة ما اتخذ الغرب -ككيان علمي ثقافي اجتماعي- وضعاً هجومياً باستمرار.
لقد كان مفكرو النهضة في العالم العربي والمفكرون الليبراليون في الهند المسلمة في القرن التاسع عشر (39) تأسرهم الإمكانات المختلفة التي يقدمها العقل الغربي، والعلم الغربي، وكانوا واعين بالركود العميق لمجتمعاتهم، وأن هذا الركود ينتهك مبدأ إسلامياً رئيساً وهو"المصلحة العامة"، وسَعوْا لتحسين الأوضاع بإحياء هذا المبدأ وربطه بالحاجة للعلم الغربي ، بعبارة أخرى، فإن العلم الغربي ومبدأ المصلحة العامة لا يلتئمان في فكر نخبة الفكر في عصر النهضة، وعلى النقيض من ذلك ، يجب للوفاء بالمبدأ الإسلامي تبنى منطق الحداثة (مثلاً العلم) (40) وهكذا رأى رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده وسيد أحمد خان وأقرانهم أنه يمكن حل هذا التوتر (الركود مقابل العلم) فقط، إذا ربطت نخبة الفكر في زمانهم فلسفتها المذهبية بمنطق الفلسفة والعلم الغربيين أي بتأييد التقدم، وهو المفهوم المحوري لحداثة القرن التاسع عشر الأوربية. ومع ذلك، فقد وضح أثناء محاولة حل هذا التناقض تناقض آخر: تناقض العلم والاستعمار وكلاهما من معطيات الغرب.
كان مفكرو القرن التاسع عشر المسلمون واعين بشكل جيد أن الغرب لا يعنى ببساطة العلم، بل والسيطرة العسكرية والسياسية أيضاً .
حددت التوترات المزدوجة بين الركود الإسلامي والعلم الغربي وبين العلم الغربي والهيمنة الغربية مُعلّمات التحديات الرئيسية التي واجهت العقل المسلم منذ القرن التاسع عشر، وأصبح هذا الاستقطاب المزدوج أكثر تعقيداً في منتصف الخمسينيات بعد نهاية الاستعمار الرسمي في أغلب الدول الإسلامية، وسعت الدولة القومية الجديدة للتحديث دون التضحية بالمصلحة العامة، سواء أكانت مشتقة من الفكر الإسلامي أو من الفكر القومي، وسعت للاستقلال الاقتصادي والاجتماعي عن الغرب الذي كانت لا تزال تعتمد عليه، وعندما بدأت العولمة تضع بذورها الاقتصادية في أوائل السبعينيات مع الغزو الاقتصادي للصين، ثم أثمرت مع انهيار النظام السوفيتي في التسعينيات، أصبح العالم الإسلامي واقعاً في شرك شبكة الغرب الرأسمالي ، وبدأت الفجوة في القوة بين العالم الإسلامي والغرب في الاتساع إلى درجة أن دولة مثل سوريا كانت تستخدم الاتحاد السوفيتي لدعم مركزها، استرضت الغرب بإرسال قواتها لمحاربة العراق، وتحققت النظم السياسية الإسلامية توًّا أنه من الانتحار تحدى السلطة الأمريكية، وكان لهذا التباين الأساسي في القوة آثاره العميقة على عمل المجتمعات الإسلامية داخلياً، وأدى إلى فجوات أوسع بين الأثرياء والفقراء داخل العالم الإسلامي، ووطَّد التحول الدولي المصاحب له في قوة النخب السياسية والعسكرية المسلمة