فهرس الكتاب
لقد تحولت صورة نخبة الفكر في العالم الثالث جذرياً في عصر العولمة، ففي عصر الاستعمار قامت نخبة الفكر المحلية بدور قائد في كل من الاستقلال السياسي والثقافي على الرغم من أنها كانت وفق رؤية"بندكت أندرسون"نخبة فكرية وحيدة مزدوجة اللغة يركبها القلق" (31) إلا أنها عكست هموم ومعاناة شعبها، وحاربت من أجل الاستقلال عن سادتهم المستعمرين ومدارسهم التي درسوا فيها، أما نخبة فكر"عولمة العالم الثالث"فلا تشاركها هذا القلق"، فالعلماء والفنيون والمهندسون والباحثون يجمعهم الانشغال بالأعمال والاستثمارات، وكلهم يعبرون عن أنفسهم بأسلوب جديد من اللغة الإنجليزية، وهو أسلوب مدرسة لندن للاقتصاد، أو مدرسة هارفارد للأعمال، وبتعبيربيير بورديو يميل هؤلاء الفنيون الجدد لتفضيل الربح الاقتصادي على حساب اختلال وضعهم الفكري والاجتماعي في مجتمعات العالم الثالث، ويدعم الفنيون ما يسميه بورديو"العنف الهيكلي"في هذه المجتمعات أي زيادة عدد المتعطلين والمهمشين في المجتمع (32) .
تنهض اللغة الإنجليزية، وتحديداً الإنجليزية الأمريكية، بدور رائد في عصر العولمة فلا يمكن أن يكون الفني ناجحاً دون إتقان أسرار إنجليزية الأعمال الأمريكية، وإذا صح أن الإنجليزية الأمريكية تطورت من رحم الإنجليزية البريطانية خلال القرون السابع والثامن والتاسع عشر، فمن الصحيح بالدرجة نفسها أن الإنجليزية الأمريكية كانت تستجيب خلال هذه الفترة بشكل خلاق للظروف الاجتماعية والاقتصادية للعالم الجديد، فقد طور الأمريكيون في معركتهم ضد السيطرة البريطانية مرجعية لغوية لا تشترك في القواعد القديمة مع إنجليزية الملكة، فعزز"نوح وبستر"اللغوي الأمريكي البارز في القرن التاسع عشر الفهم بأنه"من المستحيل إيقاف تقدم اللغة فهي أشبه بمجرى الميسيسيبي الذي يتدفق وإن دقت أحيانا ملاحظة حركته" (33) .
لقد أخفقت النخبة السياسية الأمريكية خلال الحرب الباردة 1945-1989 في نشر اللغة الإنجليزية في مواجهة أعدائها، أساساً ، لأن الإنجليزية الأكاديمية كانت حكرًا على المفكرين اليساريين الذين تخلوا عن وصاية الكتب العظيمة، والقيم التقليدية، وأفسدوا النظام الاجتماعي (34) ومع ذلك، فقد اتخذت إنجليزية الأعمال مع انهيار الاتحاد السوفيتي ونهاية الحرب الباردة وضعا هجومياً، وتبنى التكنوقراط الجدد في الشمال والجنوب نمطاً رسمياً من الإنجليزية أكثر مساعدة لعالم المال والأعمال منه لعالم الإنسانيات.
إن زيادة البؤس والفقر الاقتصادي ليست حكرًا على العالم الثالث وحده (35) فتنتشر هذه الظاهرة نفسها في المركز كما في فرنسا وإنجلترا والولايات المتحدة، فالتحلل الحضري بادٍ في مدن المراكز الرئيسة، وهو في معناه العميق عرض لنقص الرفاه الاجتماعي والتعليمي بين الفقراء، ويدل تعاطى المخدرات وانتشار الجريمة المحلية على أن نسبة لها دلالتها من المجتمع في المركز المتقدم تم تهميشها، بعبارة أخرى، كسبت الرأسمالية في سعيها لمراكمة رأس المال المزيد والمزيد من الربح،
ولكن على حساب نشر الدمار في القطاعات الضعيفة من المجتمع داخلياً وفيما وراء البحار، وكما يوضح أحد المؤلفين"تلد الرأسمالية الرخاء والفقر معا في الوقت نفسه" (36) .
وكما سلف لم يظهر النظام العالمي الجديد من فراغ، فقد أصبح العالم الثالث مع سقوط النظام السوفيتي في أوائل التسعينيات، بعد عقود من النضال الحاد، ضحية سهلة للهيمنة الأمريكية (37) وبغض النظر عما إذا كان العراق هدف بغزو الكويت سنة 1990 تحدي السيطرة الغربية عموما، وسيطرة الولايات المتحدة خصوصا، فقد بثَّ تجميع القواعد الغربية تحت لواء الأمم المتحدة موجات صادمة عبر العالم الإسلامي، وحافظت ـ إن لم تكن عززت ـ الهزيمة العسكرية للعراق على مصالح الغرب القومية التي قوَّت ـ في مفارقة تاريخية واضحة ـ نظم الخليج السياسية التسلطية، ومنعت أية فرصة حقيقية لتحقيق الديمقراطية لأعوام عديدة قادمة.
أثار هذان الحدثان - بالإضافة إلى إبراز التحولات الرئيسية في الأحلاف العالمية، وشهود ظهور الولايات المتحدة كقوى عظمى وحيدة - بشكل أكثر حدة قضية الهيمنة الثقافية الغربية مرة أخرى، وخصوصاً الأمريكية، وآثارها على ثقافات العالم الثالث، فمحدودية التأثير الأمريكي على العالم الإسلامي ، في عصر ما بعد الحرب الباردة ، بالمسائل الاقتصادية والسياسية أمر أبعد ما يكون عن الصحة؛ لأن هذا التأثير فكري ومفاهيمي في المقام الأول؛ ولأن النخب الإسلامية الحاكمة تبنت الأفكار الرأسمالية العملية كأنماط مثالية لها (38) .