فهرس الكتاب

الصفحة 4004 من 27364

ومع انتشار الخصخصة في بلاد هؤلاء القادة الراحلين، وصل المشروع الوطني الاشتراكي للاكتفاء الذاتي وتمكين الفقراء إلى حد التوقف المميت، ففي العالم العربي على سبيل المثال، اقتطع المركز منطقة الخليج جبراً من بقية العالم العربي، وكثّف هيمنته اقتصادياً وعسكرياً في أعقاب الهزيمة العسكرية للعراق في حرب الخليج الثانية، ويعنى ذلك -وفقاً لرؤية سمير أمين- أن دول الخليج"أصبحت الآن محميات مجردة من أية حرية للمناورة اقتصادياً أو سياسياً" (21) أو بتعبير والرشتين"كسب العالم الثالث المعركة السياسية في الخمسينيات والستينيات حيث تم التخلص من الاستعمار في كل مكان تقريباً ، وحان وقت الخطوة الثانية وهى التنمية الوطنية، ولم تنجز هذه الخطوة في أغلب المواطن (22) ، ففي عصر اللبرلة والاندماج لا تسمح العولمة للاقتصادات المحلية بأن تحيا مستقلة بنفسها" (23) .

إن إخفاق الاقتصادات الوطنية في أقطار مثل: إندونيسيا والهند ومصر والجزائر دليل انتصار التكنولوجيا العقلانية في الغرب المتقدم، ومع ذلك، فكما أشار بعض الاقتصاديين لا يمكن أن يتحدد انتشار اللبرلة المالية والعولمة التكنولوجية بعوامل تكنولوجية فقط، فللسياسة عملها في انتشار العولمة والتكنولوجيا العقلانية، والرغبة السياسية للمركز وراء إخضاع كل الدول القومية - مع استثناء محتمل لإسرائيل - لمقتضيات السوق الرأسمالي (24) .

يتصور مؤيدو العولمة نوعا من اقتصاد القرية العالمية يسهل انتشار التحديث والترشيد التكنولوجي في العالم، ويشيرون إلى العولمة أدت إلى إدماج المجتمعات التي جرى إفقارها وتهميشها حتى الآن في السوق العالمي، ولم تؤدِّ العولمة في رؤيتهم إلى خلق ملايين الوظائف العديدة وتحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية للفقراء فقط، بل وأدَّت أيضًا لانفتاح الحيز الثقافي والفكري للأمم الفقيرة (25) ، وحتى لو قبل المرء مثل هذه الرؤى - وهو ما أصبح أمرًا لا يمكن تجنبه في العديد من أقطار العالم الثالث - فإن عليه أن يتحول ببصره إلى العمليات الأخرى المصاحبة لها والتي لا تقل دلالة عنها ، وهى أن النظم المتعولمة أشد رسوخاً مما كانت عليه النظم الشمولية في الأعوام الماضية (26) ، فقد خلق قمع الدول القومية الشامل طرقاً جديدة تقمع بها الدولة القومية ـ المقموعة هي أيضاً ـ المجتمع المدني، وقوّض هذا القمع التماسك الاجتماعي في العالم الثالث، وقلَّص الحيز الديمقراطي في المجتمع، واختنق المجتمع المدني نتيجة للتحولات العديدة في حدود القوة في المجتمع، وأصبحت حرية التعبير سلعة نادرة (27) ، وكما لاحظ مؤلف ألمعي فإنه"بينما كانت الدول المصنعة تظهر تدريجياً، كان النظام العالمي الجديد الذي فرضه الاقتصاد المعولم يعنى للجميع سباقاً نحو القاع، فتم خفض الوظائف باسم التنافس العالمي، واعتلت الشركات عابرة القوميات مستوى من القوة يعلو أية حكومة، وحتى في دولة مثل الهند حيث يؤلف عشرة في المائة من أصل تسعمائة وثمانين مليوناً من السكان طبقة وسطى جديدة ، تستفيد من الحضور العالمي للشركات عابرة القوميات فإن التسعين في المائة الأخرى ليسوا مدرجين في خطة المستقبل المبهر، ويشكل العشرة في المائة، بدخولهم المتاحة، سوقاً واسعة بدرجة تكفي لإسالة لعاب اللاعبين العالميين، وأصبحت الهند قصة نجاح عظيم (28) ."

استمر الحيز الديمقراطي في الدولة القومية العديدة في الثمانينات والتسعينيات عرضة لتحديات في الصميم ، فربما يتوقع المرء أن يقوم المركز المتقدم حامل لواء الديمقراطية لأمد طويل بتعزيز ديمقراطية حقيقية في الجنوب، إلا أن هذا بعيد عن الحقيقة، فقد تشكلت في ظل العولمة علاقة جديدة بين النخبة السياسية والقوى الاقتصادية، وبالأخص الشركات متعددة الجنسية (29) ، ويعنى هذا في العالم الإسلامي أن الدولة القبلية شبه الدستورية، التي سيطرت عليها العائلة أو العشيرة نفسها كسبت قوة قمعية إضافية، وعانى المجتمع المدني من الخسارة الإضافية للحرية، وجرى استضعاف العمال والمرأة.

إن تغلغل الشركات متعددة الجنسية في اقتصاديات العالم الثالث - بعيداً عن أن يقضى على الفقر أو يخفف بؤس فقراء الريف - أدى إلى ثلاث ظواهر متضافرة: زيادة عدد الناس المتعطلين والفقراء ، وتركيز الثروة في أيدي النخبة السياسية، وزيادة قمع الدولة (30) . وإندونيسيا مثال بارز على هذا، فمع قدوم التقنيات الحديثة في زي العولمة ، أُعيد التأكيد على الرسالة الغربية القديمة أو الرسالة الحضارية في ظل آلهة النفوذ والتكنولوجيا والاستثمارات والرخاء القديمة / الجديدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت