الفكرية الأصيلة في تقرير الثقة بالإسلام والرد على أعداء الإسلام إلى الاشتغال بالعلوم الشرعية في تقرير منهج السلف الصالح والرد على المبتدعة إلى غير ذلك ؛ فما كان للسلفيين أن يحقروا الكتب الفكرية الإسلامية الأصيلة وهم يقررون قبول الحق من كل شخص ولو كان كافراً ، وها هو العلاَّمة ابن باز - رحمه الله يقرأ
كتاب ( النظرية السياسية ) للمودودي رحمه الله مقرراً له [4] ، وها هو العلاَّمة الألباني - رحمه الله - يورد كلاماً طويلاً لسيد قطب - رحمه الله - في مقدمة كتابه ( مختصر العلو ) للذهبي .
رابعاً: ادعى الكاتب أن السلفيين لا يعرفون جملة من المذاهب الفكرية
كالقومية العربية والماركسية والبعث العربي .. وأما آخر النظريات الفكرية فإن غالب النخب السلفية لم يسمعوا بأسمائها فضلاً عن دراستها ، هكذا قال الكاتب -
هداه الله - . ويبدو أن الكاتب كان يتحدث عن هذا المأخذ وقد انقدح في ذهنه نمط محدد من السلفيين ، وليس من العدل أن يُحكم على جميع السلفيين أو غالبهم من خلال الحكم على طائفة منسوبة إليهم ، وإلا فكيف غاب عن الكاتب جهود الأستاذ محمد رشيد رضا الإصلاحية ضد الأفكار المنحرفة ؟ وأين جهود العلاَّمة عبد الرحمن السعدي تجاه الملاحدة كما في رسالتيه: « انتصار الحق في الرد على الملاحدة » و « الأدلة القواطع والبراهين في إبطال أصول الملحدين » ؟ بل كتبَ الشيخ السعدي لمحمد رشيد رضا رسالة يؤكد عليه أن تُعنى مجلة المنار بالردّ على الملحدين . وأين إنجازات سيد ومحمد قطب في مواجهة التغريب والمذاهب المادية ومشكلات الحضارة ؟ وأين مؤلفات الدكتور محمد محمد حسين - رحمه الله - في الرد على المذاهب الأدبية والفكرية كما في مؤلفاته أمثال: ( الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر ) ، و ( حصوننا مهددة من الداخل ) ، و ( الإسلام والحضارة الغربية ) ؟ وأين مواقف العلماء تجاه الغزو التشريعي والتشكيك في تحكيم الشريعة مثل ما كتبه الشيخ أحمد شاكر ، والشيخ محمد الأمين الشنقيطي ، والعلاَّمة محمد بن إبراهيم آل الشيخ ، والشيخ عبد الرحمن الدوسري - رحمهم الله - ؟ [5] . وتأمل ما سطره العلاَّمة السعدي ( ت 1376هـ ) في الرد على تلك الدعوى: « قد عُلِمَ من قواعد الدين أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، وأن الوسائل لها أحكام المقاصد ولا يخفى أنه لا يتم التحرز من أضرار الأمم الأجنبية والتوقي لشرورها إلا بالوقوف على مقاصدهم ودرس أحوالهم وسياساتهم ، وخصوصاً السياسة الموجهة منهم للمسلمين ؛ فإن السياسة الدولية قد أسست على المكر والخداع وعدم الوفاء واستعباد الأمم الضعيفة بكل وسائل الاستعباد ؛ فجهل المسلمين بها نقص كبير وضرر خطير ، ومعرفتها والوقوف على مقاصدها وغاياتها التي ترمي إليها نفع عظيم ، وفيه دفع للشر أو تخفيفه ، وبه يعرف المسلمون كيف يقابلون كل خطر » [6] . ولا يزال باحثو أهل السنة وعلماؤها - في هذه السنوات الأخيرة - يسطرون الكتب والرسائل العلمية تجاه جملة من الأفكار الوافدة [7] . لا شك أننا - معشرَ السلفيين - نعترف بتقصير وإهمال تجاه جملة من النوازل الفكرية المستجدة ، ولا يخفى أن ثمة فرقاً بين الاعتراف بهذا التقصير وبين أن يظن أن السلفيين إنما تركوها تديناً بهذا الترك والإهمال . وأحسب أن هذا التقصير ليس خاصاً بالسلفيين وحدهم ، بل هو مشكلة قائمة عند معظم التيارات الإسلامية ! وأما انتقاد الكاتب السلفيين لعدم دراستهم الديمقراطية ، والدراسات البنكية ، وعلم النفس .. ! فأقول: وهل يتعين على السلفيين أن يدرسوا كل القضايا النازلة ولا سيما أنها قد درسها غيرهم وبطريقة صحيحة [8] ، والحق ضالة المؤمن ؟ أم يريد الباحث أن تؤلف مؤلفات عن موقف أهل السنة من الديمقراطية ؟ وما الفرق بين هذا العنوان وبين: موقف الإسلام من الديمقراطية ؟ ولا سيما أن ثمة كتابات ومؤلفات في هذا الصدد ، وأما الدراسات البنكيةوالبدائل الشرعية فهي موجودة ، ولكن هل ترك لنا عقيل من دار ؟ وعلى كلٍّ فيبدو أن الكاتب يحتاج إلى مراجعة لنتاج أهل السنة قبل أن يصدر هذه الأحكام . كما أن جملة من الإشكالات الواردة جاءت كرد فعل من الكاتب تجاه بعض الممارسات الخاطئة لفصائل من أهل السنة ، كما أن بعض إشكالاته قد عالجها بما يقابل تلك الإشكالات ؛ والانحراف انحراف على كل حال ، والخطأ لا يعالج بالخطأ مثل كلامه عن عداء الكفار للمسلمين ورغبته في تحريره واقعاً دون مجازفة ، مع أن من بدهيات هذا الدين أن عداء الكفار للمسلمين أصل ثابت ومحكم ، وما قد يقع خلاف الأصل فهو لمصالح وملابسات لا تشكك في هذا الأصل . وأما عقدة المؤامرة عند السلفيين فقد توجد مبالغة عند بعضهم ، لكن هذه « العقدة » ، لم تكن ردة فعل تجاه السذاجة وحسن الظن بالأعداء عند الكثير من المسلمين ، بل كانت حصيلة أحداث ووقائع ، ومع ذلك كله فلا حاجة إلى تهويل المؤامرة أو تهوينها . ختاماً: ينبغي التأكيد على أن الحوار الجاد والنقد العلمي البناء مطلب مهم من