فهرس الكتاب

الصفحة 20610 من 27364

ويعتقد فيكو أن الكوجيتو الديكارتي قد لعب دورا في تأسيس هذا الفكر أبستمولوجيًا، إذ أن نقطة انطلاق ديكارت المتجسدة في الكوجيتو تنطوي على نزعة فردية ذاتية قائمة على التجرد المطلق، في الوقت الذي ينطلق فيه فيكو من مبدأ إمكان تحويل الذات إلى الآخر أو ما يسميه بترادف الحقيقي والمصنوع، والذي يتلخص في الاعتقاد بأن اليقين الكامل لا يتأتى للإنسان إلا من خلال ذاته، وبالتحديد عبر ما يصنعه بيديه حسيا أو يبدعه في عقله ووجدانه، وهذا ما دفعه للاعتقاد بأن طريقة ديكارت في التعرف على العقل عبر العقل نفسه طريقة بدائية، لأن العقل لم يخلق نفسه، فكيف يكون قادرا على التفكير في ذاته وإدراك كنهه كما يفكر في الموجودات الأخرى التي ينظر إلها من موضع المراقب ؟ وقد دفع هذا فيكو إلى اتهام ديكارت بتأليه العقل، بالرغم من محاولة هذا الأخير لاحترام الميتافيزيقيا ودعوته لعقلنة الدين بدلا من نسفه .

إن فهمنا لهذا الموقف الذي يتخذه فيكو يبدأ من إدراكنا للثنائية الديكارتية القائمة على وجود الجوهرين المستقلين من المادة وغير المادة (أو الروح والجسد) والتي يبدو أنها أدت بديكارت إلى عزل هذين الجوهرين عن بعضهما واعتبار الإله مهندسا للكون، في الوقت الذي يقتصر فيه فهم الكون على العقل بإدراكه للغة الرياضيات . وقد ترجم ديكارت موقفه هذا من العقل في دعوته لسيطرة الإنسان على الطبيعة ومحاولة البرهنة على قدرته على ذلك . وكان للتقدم العلمي الذي أحرزه الغرب فيما بعد، وما قام به نيوتن من تأكيد لطروحاته الكبرى حول سيرورة الظواهر الكونية وفق قوانين طبيعية بالغة الدقة، قد أدت بالفعل إلى تأليه العقل في فلسفة العلم لدى الأوربيين، ونسيان الثنائية التي بنى عليها نظامه الفلسفي من ثنائية للعقل والروح .

إذ نجد فرنسا العلمانية التي وجدت في عقلانية ديكارت فرصة للثورة على استئثار الكنيسة بالمعرفة، ومن ثم لتأليه العقل الذي كان مغيبا في ظلامية القرون الوسطى، قد وصلت في انتهاجها لهذا النسق المعرفي إلى أقصى مراحل التطرف في نبذ الجوهر الروحي اللامادي، وبنت عليه ما يحلو لها من نظام إبستمولوجي أحادي النظرة، وبما يتناسب مع ميولها وتطلعاتها المعرفية والاقتصادية التي مهدت لها الخروج على السلطة الكنسية الطاغية، على النحو الذي يوحي بتفسير هذه الثورة المعرفية على أنها لم تكن أكثر من ردة فعل على الاستئثار الكنسي المفرط للمعرفة، والتي أدت بدورها إلى إفراط مماثل في الجهة المقابلة بعد أن أحكم التكنوقراطيون الفرنسيون قبضتهم على زمام السلطة، ودفعتهم دون رادع للتطلع إلى توسيع نفوذهم بعد إعادة توليده تحت اسم العلمانية والعلم للسيطرة على العالم الأقل تطورا، الأمر الذي سوغ لنابليون دك أسوار الإسكندرية بالمدافع الثقيلة، تحت ذريعة نشر مبادئ الحرية والأخوة والمساواة !! التي قامت عليها الثورة الفرنسية، وذلك قبل مضي تسع سنوات فقط على هذه الثورة، وما أشبه اليوم بالغد !

ومن جهة أخرى، رفض عدد من أشهر الفلاسفة الألمان الموقف الديكارتي، ومنهم"كانط"و"نيتشه"و"هايدجر"، فقد رأى هذا الأخير أن الأنطولوجيا الغربية قد ارتكبت خطأ فادحاً عندما نظرت إلى الوجود على أنه كيان موضوعي مفارق للذات، مما أدى إلى فصل الذات عن الطبيعة ثم اعتبار الذات كمركز للكون، وهو الذي ترافق مع الإرهاصات الأولى للفكر الإمبريالي الغربي فيما بعد .

ويؤسس هايدجر نقده لكل من الثنائية الديكارتية والمنهج الابستمولوجي التنويري على اعتباره أن وجود الإنسان متميز عن الموجودات الأخرى، فهو ليس جوهرا ثابتا بل دائم التغير من فرد لآخر، وهو إلى ذلك مشروع مستمر دائما أمام احتمالية التغير والحوار مع العالم .

وبالإضافة إلى ذلك الموقف الذي اتخذه هذا الجمع من الفلاسفة إزاء المنهج الديكارتي، نجد اليوم نزعة مضادة للديكارتية تخرج من فرنسا نفسها، ويقوم بها عدد من المفكرين الفرنسيين الثائرين على جمودهم الثقافي . نذكر منهم اثنان من أشهر فلاسفة فرنسا المعاصرين، الذين ضربوا بعُرض الحائط كل تلك الهالة النورانية التي ما زال الفرنسيون يضفونها على نبيهم المزعوم .

أما أولهما فهو"فرانسوا روفيل"، والذي أصدر كتاباً عنونه بـ"ديكارت المتقلب، الانتهازي، وغير المفيد"وقد شن فيه حربا على ديكارت زاعماً بأنه السبب الرئيس في شيوع العقلية المتحجرة المستعلية لدى الفرنسيين، والتي أدت فيما بعد إلى عزلة فرنسا عن الوسط الحضاري الغربي، وبالتالي استعصائها على التطور . ويستشهد في كتابه بعدة حوادث تشير إلى أن ديكارت كان رجلا شديد التمسك برأيه ولو كان مخطئاً، وأنه كان عاجزاً عن الاعتراف بالتناقض، فضلاً عن فشله في الإفادة من التجربة الحسية، والتي تعتبر اليوم عصب العلم الحديث .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت