فهرس الكتاب

الصفحة 20611 من 27364

وأما الثاني فهو المفكر الشهير"روجيه غارودي"والذي لم يكن أقل عنفاً من سابقه في ثورته على الديكارتية، وهي - أي الثورة - التي يعتبرها سبباً في تحرره من عقدة الانغلاق على الذات، والانفتاح على الحضارات الإنسانية الأخرى، ولا شك أن اعتراف هذا الفيلسوف الفرنسي"الثائر"والمؤسس لمعهد الحوار بين الحضارات، يشكل صفعة مؤلمة للمنهج الديكارتي برمته، تماماً كما فعلت قنابله السابقة في"ماركسية القرن العشرين"و"الولايات المتحدة طليعة الانحطاط"ثم كتابه الخطير"الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية"والذي سبب له الكثير من المتاعب، وأخيراً كتابه"الإرهاب الغربي"والذي اتهم فيه ديكارت بأنه المؤسس الأول للعقل الاستبدادي الغربي عموماً - والفرنسي خصوصاً - . والمتجلي في فردية الوجود الديكارتي القائم على الكوجيتو المصطنع"أنا أفكر، إذن أنا موجود"إذ يعتبره غارودي مبرراً للغطرسة الإمبريالية الغربية، وتجريداً للإنسان من مشاعر الحب والتسامح والعطف على الآخرين .

إن هذا"الفتح"الجديد في فكر الفيلسوف المسلم - غارودي - قد تسبب في الغرب"المتغطرس والإمبريالي"بهزة عنيفة طالت واحداً من أهم رموزه، وأسقط عنه آخر أوراق التوت التي كانت تستر عوراته التي لن ينساها التاريخ .

ولكن المفارقة تكمن لدينا نحن العرب والمسلمين، وتحديداً لدى أولئك المتشبثين بقناع الحداثة، والذين لا يسأمون من تكرار توجيه النقد اللاذع للعقلية العربية، وللفكر الماضوي العربي (الديني طبعاً) ، وهم يعلنون صراحة أن عقدتنا الحضارية لن تنحل أبداً حتى نتخلى عن موروثنا الثقافي والحضاري برمته، ثم نتخذ من قصور الرمال الديكارتية أساساً متيناً نبني عليه حداثتنا الضرورية .

وكمثال سريع على هذا الموقف، نذكر مقالاً نُشر في جريدة الشرق الأوسط للباحث هاشم صالح العدد (9363) بتاريخ 17/7/2004 والذي لم يكتف فيه بتنصيب ديكارت نبيا للعقلانية فحسب؛ بل نجده يعد وصفنا للشيء بأنه ديكارتي بمثابة وصفنا له بالعقلاني، بل إن وصفنا للفرنسيين بأنهم ديكارتيون يعني في المقابل أنهم عقلانيون، مما يدفعنا لاعتباره وبكل بساطة"أمة وحده"، إذ أن تنظيم الشوارع والساحات في فرنسا يحمل نهجه على حد تعبيره . مردداً بذلك مقولات الثقافة الغربية بحذافيرها على اعتبار أنها النموذج الأمثل للبناء الحضاري!

إن ترديدنا الببغائي للنموذج النهضوي الغربي لا يمكن أن يتم تطبيقه بهذه الصورة المبتورة عن السياق التاريخي الذي كان حاكماً للتفرد الكنسي في أوربا إبان عصور الظلام في القرون الوسطى، فضلاً عن الخصوصية التي غالبا ما يتم تجاهلها للنسق الديني المسيطر على السلطة الدينية الأوربية، واستساغة تعميم النظرة المقولبة للسلطة الدينية بجانبيها الاجتماعي والسياسي .

وبناء على ذلك؛ فإن استمرار مفكرينا الحداثيين في تسليط الضوء على أساطين الفكر النهضوي الأوربي على أنهم يشكلون النموذج الأوحد للخروج من عنق الزجاجة في عالمنا العربي والإسلامي، لا يمكن أن يبرح مكانه طالما ظل مقتصراً على الانبهار بمنجزات التقدم العلمي (ومن جانبه المادي البحت) ، دون أن ينطلق في تحليله لمشكلة التخلف من خصوصية كل من المجتمعين الغربي - المسيحي، والعربي - الإسلامي، وأن يسعى لتفكيك عوامل التخلف التي يعاني منها الأخير ضمن السياق التاريخي الذي أدى به إلى التراجع عن ماضيه الحضاري المشرف، والذي أثبت فيه قدرته على المزج بين المادة والروح دون اصطناع لأي نوع من الفصل أو الإثنينية المؤدية إلى تغليب أي منهما على الآخر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت