والأصل في مسايرة الناس على ضلالهم وتنكبهم الحق هو الهوى المتغلب على النفوس، بحيث يطمس البصيرة، حتى ترى المتبع لهواه يضحي بروحه في سبيل هواه وباطله وهو يعلم نهايته البائسة، ومن كانت هذه حاله، فلا تنفعه المواعظ، ولا الزواجر كما قال الشاطبي رحمه الله: 'فكذلك صاحب الهوى إذا ضل قلبه، وأُشرب حبه لا تعمل فيه الموعظة، ولا يقبل البرهان، ولا يكترث بمن خالفه' [ الموافقات للشاطبي، 2/ 268] .
أما ما يتعلق بما دون الكفر من فتنة مسايرة الواقع فهي كثيرة ومتنوعة اليوم بين المسلمين، وهي تترواح بين الفتنة، وارتكاب الكبائر، أو الصغائر، أو الترخص في الدين، وتتبع زلات العلماء لتسويغ المخالفات الشرعية الناجمة عن مسايرة الركب، وصعوبة الخروج عن المألوف، واتباع الناس إن أحسنوا أو أساءوا. ومَنْ هذه حاله ينطبق عليه وصف الإمَّعة الذي نهى صلى الله عليه وسلم عنه وحذَّر منه؛ حيث قال: [لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً تَقُولُونَ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا] رواه الترمذي. و'الإمعة هو الذي يتابع كل ناعق، ويقول لكل أحد أنا معك؛ لأنه لا رأي له يرجع إليه، تابعاً لدين غيره بلا رؤية، ولا تحصيل برهان' [ تحفة الأحوذي] .
والفتنة بمسايرة الواقع وما اعتاده الناس كثيرة في زماننا اليوم لا يسلم منها إلا من رحم الله، وجاهد نفسه مجاهدة كبيرة؛ لأن ضغط الفساد، ومكر المفسدين، وترويض الناس عليه ردحاً من الزمان؛ جعل القابض على دينه اليوم المستعصي على مسايرة الواقع في جهاد مرير مع نفسه ومع الناس كالقابض على الجمر، ولعل هذا الزمان هو تأويل قول الرسول صلى الله عليه وسلم [يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ] رواه الترمذي.
وإن مما يعين العبد على هذه المشقة، والصبر العظيم: هو عظم الأجر الذي يناله هذا القابض على دينه، المستعصي على مسايرة الناس، وضغط الواقع، وما ألفه الناس، ويكفي في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم [ فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ الصَّبْرُ فِيهِ مِثْلُ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ لِلْعَامِلِ فِيهِمْ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ] قَالَ-أي الراوي- يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْهُمْ قَالَ: [أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ] رواه أبوداود والترمذي وابن ماجة.
وفيما يلي ذكر بعض الصور لفتنة مسايرة الواقع في زماننا اليوم، وأخص بها فئة الدعاة، وأهل العلم، وما يجب أن يحذروه من هذه الفتنة:
إن أهل العلم والدعاة إلى الله لمن أشد الناس تعرضاً لفتنة المسايرة؛ وذلك لكثرة الفساد وتنوعه، وتسلط شياطين الإنس والجن على أهل الخير بالإيذاء والوسوسة وتأويل الأمور.. إلخ مما قد يعرض العالم أو الداعية إلى التنازلات والمداهنات؛ إرضاءًا للناس، أو اتقاءاً لسخطهم، أو رضىً بالأمر الواقع سواء ذلك بتأويل، أو بغير تأويل.وإن سقوط العالِم، أو الداعية في هذه الفتنة ليس كسقوط غيره؛ ذلك أن فتنته تتعدى إلى غيره؛ لأن الناس يرون فيه القدوة والشرعية.
إن الدعاة إلى الله وأهل العلم هم نور المجتمعات وصمام الأمان، فإذا وقع منهم من وقع في مسايرة الواقع، والرضا بالأمر الواقع؛ فمَنْ للأمة ينقذها ويرفع الذل عنها؟! هذا أمر يجب أن يتفطن له كل منتسب إلى الدعوة والعلم، ويتفقد نفسه ويحاسبها، ويسعى لإنجاء نفسه وأهله بادئ ذي بدء حتى يكون لدعوته بعد ذلك أثر على الناس، وقبول لها عندهم، أما إذا أهمل الداعية نفسه، وسار مع ما ألفه الناس، وصعب عليه الصمود والصبر؛ فإن الخطر كبير على النفس، والأهل، والناس من حوله.
إن المطلوب من الداعية والعالِم في مجتمعات المسلمين هو تغيير المجتمعات وتسييرها إلى ما هو أحسن لا مسايرتها ومداهنتها، فهذه والله هي مهمة الأنبياء والمصلحين من بعدهم، وهذه هي الحياة السعيدة للعالِم والداعية، وإلا فلا معنى لحياة الداعية والعالم، ولا قيمة لها إذا هو ساير الناس، واستسلم لضغوط الواقع، وأهواء الناس.