فهرس الكتاب
ولعلّ هذا الواقع الشبابيّ في عالمه الجديد الذي يريد أن يصنع واقعاً جديداً هو الذي توحي به كلمة الإمام عليّ (ع) : «لا تخلّقوا أولادكم بأخلاقكم فإنّهم خُلِقوا لزمان غير زمانكم» ، فقد يكون المقصود بها أنّ لكلِّ زمان أوضاعه التي تصنعُ له أخلاقاً جديدة بكل ما تعنيه كلمة الأخلاق المتّصلة بالسلوك الفكري والعلمي وبالمنهج الحركي على مستوى العلاقات العامّة والخاصّة وقضايا الإنتاج وحركة الوسائل والأهداف وكل الأمور المتحرِّكة في ساحة القلق الإنساني الباحث عن كل جديد في المعرفة والواقع.
إنّني لا أقصد من ذلك الحديث عن الحياة الشبابية التي تستغرق في كلِّ جديد بما يُنتجه أيّ فكر يتحرّك به عصره، بحيث ينطلق الشباب بعيداً عن كل جذوره الفكرية التاريخية وفارغاً من كل عقيدته الإسلامية ليتمثّل في صفحة بيضاء لم يكتبْ له فيها شيء في الفكر وفي المنهج وفي السلوك، لأنّ ذلك لا يمكن أن يكون مضمون الكلمة العلويّة الرائدة، باعتبار أنّ هناك القضايا العقيدية والشرعية والمنهجية الإسلامية المعدودة من الثوابت باعتبار أنّها تمثِّل الحقيقة الإلهية المنزلة على الإنسان ليهتدي بها من خلال الوحي الإلهي على النبيّ محمّد (ص) ممّا لا مجال لإثارة الجدل فيه أو لتغييره إلاّ من خلال مناهج التغيير القرآنية أو النبوية ممّا يمكن أن يسمح به الخط الفكري الإسلامي في دائرته الحركية في الداخل.
بل إنّني أقصد - في هذا الاستيحاء - إنّ على الجيل القديم أن لا يفرض خصوصيّاته الذاتية على جيل الشباب، فليس من الضروري أن يفهم الشباب من النص التراثي - الكتاب والسنّة - ما فهمه الآباء والأجداد، لأنّ من الممكن له أن يأخذ بالقواعد العلمية في فهم النص وتحريكه ليفهم منه غير ما فهموه وليجتهد في تحريك مفرداته بغير الطريقة التي اجتهدوا فيها، فقد يكتشف بعض الخطأ في اجتهاداتهم لتأثّرهم ببعض الظروف الموضوعية الثقافية والواقعية التي فرضت عليهم نوعاً من التصوّرات المعيّنة باعتبار أنّ من الصعب للمجتهد في أي موقع للفكر أن يتخلّص من ذاتيّات ثقافته الخاصّة في اجتهاده.
وليس من الضروري أن يكون فهم الشباب للحياة في أساليبها ووسائلها وعلاقاتها وحركيّتها ما فهمه الأوّلون أن تكون حاجاتهم المتحدِّدة هي حاجات آبائهم لأنّ التطوّر قد يصنع للإنسان حاجات جديدة أو تكون أخلاقهم الاجتماعية هي نفس أخلاق المجتمع السابق.
إنّ هناك أموراً ثابتة في العقيدة والشريعة والسلوك لا بدّ للمسلم أن يثبت عليها، وأنّ هناك أموراً متحرِّكة يمكن للإنسان المسلم أن يحرِّكها في حياته أو يتحرّك من خلالها، وهذا هو الخط الفاصل بين الثابت والمتحرِّك والمتحوِّل في واقع الإنسان المسلم في حركة الحياة عندما يريد أن يكسب نفسه وحياته ويصنع تاريخه ليتحمّل مسؤولية ذلك كلّه كما تحمّل الجيل الماضي مسؤوليته في صنع تاريخه كما جاء في قوله تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 134] ، فلا بدّ أن يكون لهذا الجيل دور اختياري في إنتاج كسبه الفكري والعلمي ليواجه مسئوليته عنه أمام الله، فلا يجوز له أن يقلِّد الاُمّة التي تقدّمته في الزّمن لأنّ ذلك لن يكون عذراً له أمام الله الذي يريد لكل نفس أن تجادل عن نفسها يوم يقوم الناس لربّ العالمين.
أمّا الغرب، فهو هذا العالم الجديد الذي يتميّز بفلسفته المادية المغرقة في عبوديّتها للحس بحيث عملت أن تحوِّل الغيب في تصوّراتها الدينية إلى عالم خاضع للأجواء المادية الحسية كما يتميّز بتصوّراته المطلقة في حرية الإنسان التي تصنع القيمة الأخلاقية في السلوك بمقدار ما يقترب منها أو يبتعد عنها، وفي ضوء ذلك فانّ هناك بوناً شاسعاً بين التصوّر الإسلامي لله وللإنسان وللحياة وبين التصوّر الغربي - في ذلك كلّه - كما هو الفرق بين الفلسفة التي تتصوّر الحياة خَلْقَ الله الذي أراد للإنسان خليفته في الأرض ليديرها على أساس أن لا ينسى نصيبه في الأرض من حاجاته المادية عندما يريد التطلّع إلى الدار الآخرة التي تمثِّل العنوان المتحرِّك للقيم في الربط بين الوسيلة المادية والغاية الروحية لتتروّح المادّة ولتأخذ الرّوح إسلوباً ماديّاً في حركتها في الواقع فيكون الله كلّ شيء في معنى الإنسان ويكون الإنسان المخلوق الذي منحه الحرية في نطاق مسؤوليّاته أمامه في إدارة الحياة والفلسفة التي لا تجد لله دوراً في حركة الإنسان في الواقع وفي عملية إنتاج الحياة.
ولكنّنا في الوقت نفسه لا ننكر إنّ هناك بعض المواقع التي نلتقي فيها مع الغرب، كما أ نّنا نعترف بالتقدّم العلمي والتقني الذي بلغه الغرب ممّا يمثِّل حاجاتنا الضرورية إليه في مسألة التعامل.